منتدى الحوار الاسلامي

الاثنين، 12 أبريل 2010

نظرة في تنوع الجهود العلمية للعلامة السيد محمد علوي المالكي




نظرة في تنوع الجهود العلمية
للعلامة السيد محمد علوي المالكي
       بقلم: محيي الدين حسين يوسف الإسنوي 

في فجر ليلة الجمعة 15 رمضان 1425 الموافق 29 أكتوبر 2004م انتقل إلى جوار ربه العلامة الدكتور السيد محمد الحسن بن علوي بن عباس المالكي المكي عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاماً قضاها في خدمة العلم، وقد صلى عليه بعد عشاء يوم الجمعة في المسجد الحرام جمع غفير من العلماء والدعاة وأهل العلم والمعتمرين، وبعد الصلاة تخاطفت الأيدي جنازة الشيخ وحملتها مشياً على الأقدام سيراً حتى مقابر (المعلاة) حيث دفن بجوار والده رحمهما الله، وليس هنا أصدق من قول الإمام أحمد: (بيننا وبينكم الجنائز).
والسيد محمد الحسن بن علوي المالكي الحسني ولد بمكة المكرمة عام 1362هـ (1943م)، ونشأ بها نشأة إسلامية علمية صوفية في كنف والده الإمام السيد علوي بن عباس المالكي (من كبار علماء مكة وفقهائها)، وترعرع المالكي في رحاب حلقات العلم بالمسجد الحرام، فحضر كبار العلماء بالحرمين الشريفين، وعلى رأسهم والده ت1391، والشيخ حسن بن محمد المشاط ت1399, والشيخ محمد يحيى بن الشيخ أمان ت1387, والشيخ محمد العربي التباني ت1390, والشيخ محمد نور سيف بن هلال المكي ت1403، والشيخ حسن بن سعيد يماني ت1391, والشيخ عبدالله بن سعيد اللحجي ت1410, والشيخ محمد يس الفاداني ت1410, وغيرهم.
ونال السيد المالكي حظه من الدراسة النظامية، فحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، كما كان له عدة رحلات علمية إلى الهند وباكستان وليبيا والمغرب وغيره، فأخذ عن جملة كبيرة من العلماء واستفاد منهم.
وقد عين الشيخ مدرساً بكلية الشريعة بمكة المكرمة (1390هـ - 1399هـ).
وبعد وفاة والده السيد علوي المالكي (1391هـ) اجتمع علماء مكة المكرمة وعلى رأسهم الشيخ حسن المشاط والشيخ محمد نور سيف والشيخ محمد سليم رحمت الله والسيد أمين كتبي وغيرهم, فكلفوه بالتدريس في المسجد الحرام في حلقة والده السيد علوي التي استمرت خمسين عاماً بلا انقطاع، فكانت حلقته في المسجد الحرام استمراراً لحلقة والده، ثم كانت حلقة علمه العامرة ببيته ومدرسته إلى أن لقي الله تعالى، وهو بين طلابه وتلاميذه معلماً ومربياً ومرشداً ربانياً.
وللسيد محمد الحسن بن علوي المالكي رحمه الله مشاركات كثيرة وجهود علمية ودعوية متنوعة، فشارك بمحاضراته في المواسم الثقافية برابطة العالم الإسلامي، وكان رئيساً للجنة التحكيم الدولية لمسابقة القرآن الكريم بالمملكة عدة سنين (1399/1400/1401هـ)، وترأس جلسات متعددة في مؤتمر الإمام مالك الذي يعقد سنويا في المغرب، وكان كبير الضيوف ولسانهم في مؤتمر القاضي عبدالوهاب البغدادي الذي أقامته دار البحوث بدبي(13-19 المحرم 1424هـ)، وكذلك شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية العالمية.
وللسيد المالكي اهتمام كبير بمذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس، وقد كان محل تقدير المجامع العلمية والمؤتمرات، وقد ترك ثروة علمية من البحوث والدراسات في ذلك، منها:
1- دراسات حول الموطأ.
2- فضل الموطأ وعناية الأمة الإسلامية به.
3- دراسة مقارنة عن روايات موطأ الإمام مالك.
4- شبهات حول الموطأ وردها.
5- إمام دار الهجرة مالك بن أنس.
6- تحقيق تلخيص القابسي للموطأ، رواية ابن القاسم.
ولعل من آخر ما كتبه العلامة المالكي في خدمة المذهب المالكي بحثه (الفقه المالكي وأحواله في ظل الفقه الحنبلي بمكة المكرمة في القرن الرابع عشر)، والذي قدمه في مؤتمر القاضي عبد الوهاب البغدادي (13-19 المحرم 1424هـ)، وهو يعبر عن جانب مهم من التاريخ المعاصر للمذهب المالكي في الحجاز.
واشتهر المالكي محدثاً، جمع العديد من الأثبات والفهارس، وتنتهي إليه العديد من الأسانيد العالية، ومن كتبه في الدراسات الحديثية: (عناية الأمة بالسنة)، (كشف الغمة)، (المنهل اللطيف في أصول الحديث الشريف)، وغيرها.
وللمالكي اهتمام كبير بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله، وكان يرى أن تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته ودراسة صفاته وسننه والتعلق به والمحافظة على آثاره والتبرك بها، باب صلاح هذه الأمة والرقي بها، وباب عظيم من أبواب التربية والوصول إلى الله تعالى، فكتب المالكي: (محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل)، (تاريخ الحوادث النبوية)، (الذخائر المحمدية)، (مفاهيم يجب أن تصحح)، (شفاء الفؤاد في زيارة خير العباد)، (وهو بالأفق الأعلى)، (القدوة الحسنة في منهج الدعوة ضرورة الرجوع إلى السنة النبوية)، ونشر عدداً من الأبحاث حول مشروعية الاحتفال بالمولد، كما قام بتحقيق وطبع عدد من الموالد منها مولد الشيخ علي القاري، ومولد ابن الديبع الشيباني.
ومؤلفات العلامة المالكي الكثيرة تبرز لنا سمات شخصيته، واهتماماته العلمية، وتنوع الخطاب الفكري والعلمي لديه، ساعد على ذلك مشاركة قوية في فنون العلم، وذاكرة قوية حفظت الكثير من الوقائع التاريخية، وعقل ثاقب، تظهر معالم ذلك مثلاً في كتبه: (شريعة الله الخالدة)، و(المسلمون بين الواقع والتجربة), و(مفهوم التطور والتجديد), و(منهج السلف في فهم النصوص), و(خصائص الأمة المحمدية)، و(المستشرقون بين الإنصاف والعصبية).
وكشأن الأئمة الربانيين اهتم المالكي بالتزكية والتربية، فربى الرجال، وكتب (أصول التربية الإسلامية)، كما اهتم بالدعاء وآدابه وشروطه، فجمع الكثير من الدعوات المأثورة والمشهورة عن السلف الصالح وأهل الصلاح والسلوك والولاية في (أبواب الفرج)، و(خلاصة شوارق الأنوار)، و(الحصون المنيعة).
وقد كافح السيد محمد علوي المالكي ونافح عن أهل السنة والجماعة (السادة الأشاعرة والماتريدية)، وعن المذاهب الأربعة الفقهية، وعن طريقة الإمام أبي القاسم الجنيد في التربية والسلوك والتصوف، فشرح ووضح وصحح الكثير من المفاهيم الشائعة، بأسلوب سهل واضح، مما جعله مستهدفاً لخصومه، الذين فوقوا سهامهم إليه فردها الله تعالى عنه، فكانت مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني، ومحاضراته ولقاءاته الإذاعية والتلفزيونية قبيل وفاته .
وللتاريخ نذكر أن المالكي لما ألف بعض كتبه، قام أصحاب الفكر الآخر بالثورة واستعداء السلطات عليه والمطالبة بعزله أو طرده، وصدرت القرارات في حقه، وسخرت الأقلام لنقده، فكان من ذلك: ما كتبه الشيوخ التويجري والأنصاري، وسمير المالكي، ومن ذلك كتاب (هذه مفاهيمنا) للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، و(حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته) للشيخ عبد الله بن منيع.
فلما ظهرت هذه الكتب قام العلماء بالرد عليها وتفنيد ما فيها، فطبع كتاب (الرد المحكم المنيع على شبهات ابن منيع) للسيد يوسف هاشم الرفاعي، وألف الشيخ راشد المريخي كتابه (إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل)، وكتب الشيخان عبدالكريم المغربي وعبدالحي العمراوي (التحذير من الاغترار بما جاء في كتاب الحوار)، وكان لكبار علماء الأزهر والمغرب وأبو ظبي ودبي من المؤلفات والبحوث والتقريرات والتقاريظ ما أوجد صحوة فكرية، مما هو دفاع عن المنهج الأصيل وليس دفاعاً عن المالكي فحسب، ومما قاله الدكتور البوطي : (محمد علوي المالكي من أهل السنة والجماعة، ولم يقرأ الناس في تآليفه وكتاباته ولم يروا من واقع حاله إلا ما يزيدهم ثقة باستقامته وصلاح حـاله وسلامة عقيدته).
ومع كل ما استهدفه السيد المالكي من خصومه، فقد اشتهر بسعة الصدر ورحابته في تعامله مع الآخر، ودعوته الصادقة إلى الوحدة والتسامح، مستوعباً مأساة التشرذم وخطورة التطرف، فعالج الكثير من القضايا بالحكمة والموعظة الحسنة، واجتاز الكثير من المفاوز، وكان كتابه (التحذير من المجازفة بالتكفير) ورقة عمل إسلامية في سبيل وحدة الصف.
قام المالكي بتقريب الكتب العلمية لطلبته فألف : (زبدة الإتقان في علوم القرآن) و( القواعد الأساسية في علوم القرآن)، و(القواعد الأساسية في علم مصطلح الحديث)، و(القواعد الأساسية في أصول الفقه)، وغيرها.
وقد عمل السيد المالكي رحمه الله على خدمة ونشر التراث العلمي لوالده العلامة السيد علوي بن عباس المالكي أحد كبار مدرسي الحرم المكي وعلماء المذهب المالكي بالحجاز، كما اهتم خصوصاً بجمع أسانيد والده في مؤلفه (إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية)، وجمع أسانيد جده في مؤلفه: ( نور النبراس بأسانيد الجد السيد عباس).
وللمالكي عدد كبير من الكتب غير ما ذكرنا في هذه الإطلالة، وهي إنما تدل على فضله وتنوع معارفه، كما تنم عن منهجه القويم الذي انتهجه، ولمعرفة ما تمثل هذه المؤلفات عند صاحبها أذكر هنا أن السيد محمد علوي سئل عن كتبه، فقال: (بعد اعتزال التدريس الحكومي كثفت دروسي، وأنشئت مدارس كثيرة وتفرغت للتأليف، ومؤلفاتي أولادي، وأذكر أن أحد العلماء لم يكن له أولاد فقال:
يقولون: إنَّ المرء يبقى بنســله
وليس له ذكر إذا لم يكن له نَسْلُ
فقُلتُ لهم: نَسْلي طرائف حكمتي
فإن فاتنا نســل فإنا بها نَســْلُو)

وبعد، فإنه يصدق على السيد المالكي أنه أمة في شخص، فقد كان وحده مدرسة كبيرة، تخرج فيها مئات طلبة العلم والربانية، وكان مؤسسة علمية أخرجت لنا العشرات من المؤلفات والبحوث المنهجية المؤثرة، ... رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأمته وسلم

الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسألة الأعداد

الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ومسألة الأعداد، ومن صلوات الصحابة رضي الله عنهم
للعارف بالله الشيخ/ عبد الرحمن حسن محمود


بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله تبارك وتعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
مقدمــة:
الحمد لله الذي منّ على المؤمنين بإرساله سيد المرسلين صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين.
{ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }.
وجعل الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم: فرضاً مفروضاً، وقربةً يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }.
والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمةً للعالمين، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً..        وبعــــــــــــــد:
الصلاة على النبي حق لازم:
فإنَّ الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم، ليست نفلاً منا، ولا تكرماً عليه صلى الله عليه وآله وسلم.
وإنما هي فرض فرضه الله تبارك وتعالى على كل مسلم، أداء لحقه صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
هذا، وقد قال العلماء: إن لرسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم حقاً في رقبة كل مسلم، ذلك لأنه أنقذه من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وبالتالي أنقذه من ظلمات النار ودخانها، إلى نور الجنة وريحانها.
ومن المعروف أن من أسدى إليك معروفاً، وجب عليك شكره، علماً بأن الأمر في أصله مردود إليك: ذلك أن رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم لا تـزيده صلاة المصلى عليه قدراً، ولا ينقصه غفلة الغافل عنه صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم، لأن الله تبارك وتعالى أعطاه من الإكرام ما يجل عن الوصف:
قال الإمام البوصيري، رحمه الله تبارك وتعالى:
فإن فضل رسول الله ليس له
حدٌ، فيعرب عنه ناطـــق بفم
وقال أيضاً، رضي الله تبارك وتعالى عنه:
فمبلغ العلم فيه: أنه بشر
وأنه خير خلق الله كلهم
أي: إن الناس لا يعرفون عنه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه بهذه الصفة وحسب.. هذا مبلغ علمهم، ومنتهى معرفتهم عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي قوله تبارك وتعالى: ( لقد مَنَّ الله على المؤمنين) ما يفيد عظمة الرسول صلى تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم، إذ أن العطية بقدر المعطي، والهدية بقدر المهدي، والمنة بقدر المان.
والمعطي والمهدي والمان هنا هو الله تبارك وتعالى، فكيف تكون عطية مولى الموالي سبحانه وتعالى لأمة أحب الخلق إليه صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين وسلم.
وقد قال بعض العارفين: الأنبياء لأممهم عطية، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم لنا هدية، والعطية للمحتاجين، والهدية للمحبوبين .
ولعله أخذها من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنما أنا رحمة مهداة ). رواه ابن سعد والحكيم عن أبي صالح مرسلاً .
أجعل لك صلاتي كلها:
وقد قال أبي بن كعب أحد أجلاء الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟
قال: صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما شئت) .
قلت: الربع؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما شئت، وإن زدت فهو خير).
قلت: النصف؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما شئت، وإن زدت فهو خير).
قالت: الثلثين؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما شئت، وإن زدت فهو خير لك ).
قال: أجعل لك صلاتي كلها ؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك ). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وعبد بن حميد في مسنده، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك. [انظر: جلاء الأفهام لابن قيم الجوزية ص40، طبع المنيرية].
وقول الله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ...} أمر من الله تبارك وتعالى. والقاعدة النحوية أن ما جاء على هيئة الأمر، فإن كان من الأدنى للأعلى، فهو الطلب. وأما إن كان من الأعلى للأدنى، فهو الأمر.
فقوله: { صَلُّوا } أمر من الله تبارك وتعالى لا محالة، ولا موضع للجدال فيه.
وقوله تبارك وتعالى: { وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } حث على المداومة والاستمرار على طول المدى.
أهل الصلوات:
فلذلك لجأ كثير من الناس لاغتنام هذه الفرصة، ولإزالة هموم الدنيا والآخرة، بألفاظ ينطقها اللسان، وذلك منتهى الكرم من الله تبارك وتعالى على عباده.
ومن المعروف أن: (من أحب شيئاً أكثر من ذكره) [لفظ حديث شريف رواه الديلمي في مسند الفردوس].
فكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم، تدل على صدق المحبة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ( أكثروا الصلاة عليَّ فإن صلاتكم عليَّ مغفرة لذنوبكم، واطلبوا لي الدرجة والوسيلة، فإن وسيلتي عند ربي شفاعتي لكم ). رواه ابن عساكر.
وقد روي في بعض الأحاديث: كيف تعرفنا يا رسول الله ؟
قال صلى الله عليه واله وصحبه وسلم: ( أعرفكم بكثرة الصلاة عليَّ ).
وقد قال عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام: ( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة ). رواه البخاري في التاريخ، وابن حبان، والترمذي.
مسألة الأعداد:
من هنا رغب أهل المعرفة بالله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في جمع أكبر قدر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ونشأت فكرة جمعها في كتب خاصة.
وقد نبتت نابتةٌ في هذه الأيام، لامت - عن جهل - هؤلاء الناس في مواضع، منها: العدد، والكيفية!.
ولكنهم نسوا أنها مأخوذة من ألفاظ الحديث الشريف، وأن الذين وضعوا صيغ الصلوات - في الأصل - هم من أهل العلم والدراية، لا من أهل الهجاية!.
ورد في الحديث الشريف: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
هذا الحديث الشريف عُمدة في الدين كله، حتى إن المالكية رضي الله عنهم اعتبروا كل عمل بغير نية باطلاً.
وعلى هذا، فإذا قال الذاكر لله، المصلي على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ( اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد من يصلي عليه )، فإنه يقصد إلى العدد فعلاً، فيعطيه الله على حسب ما نوى في نفسه، تفضلاً وتكرماً، ومنّة من الله تبارك وتعالى على ذلك العبد المصلي على حبيبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ومن المعلوم أن ملائكة الله مشتغلون جميعاً بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم، بالأمر التكليفي الكامن في قوله تبارك وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...} إلى آخر الآية.
ولئن قال قائل: لئن كانوا مشتغلين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فأين ذكر الله، وأين التكاليف الأخرى؟.
فنقول له: إن الذي أعطى المَلَك القُدرة على الهُبوط من السماء إلى الأرض في لمح البصر، قادرٌ على أن يجمع له ما شاء من الأذكار والصلوات على حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم، وما كُلِّفَ به.
وطلب الله تبارك وتعالى من المؤمنين الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، إكمالاً لدائرة السماوات؛ فتكون دائرة السماوات والأرض كلها مشغولة بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم.. وفي هذا من التشريف للمؤمنين ما فيه، إذ وصلهم بالملأ الأعلى.
وفي مثل قولك: ( اللهم صلِّ على سيدنا محمد كما أمرتنا أن نصلي عليه ) من المعاني الرفيعة: يا ربِّ إنني لا أعرف قيمة الصلاة على حبيبك، صلى الله عليه وآله وسلم... فصلِّ أنت عليه كما تعرف، فإنك تعرف ولا أعرف.
النبي يسمع الصلاة عليه:
ولتعلم أيها الأخ المسلم: أن صلاتك على النبي صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم يوم الجمعة، يسمعها هو بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم، ويردّ عليك أينما كنت في أطراف الدنيا.. وفي هذا من التشريف ما فيه لك.
روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وسلم: (أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، ليس من عبدٍ يُصلِّي عليَّ فيه إلا بلغني صوته حيث كان...) إلى آخره. قال المنذري: ورواه ابن ماجه بإسناد جيد. [انظر: جلاء الأفهام ص74، ط المنيرية].
ذكر العدد:
وقد ورد ذكر العدد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه:
ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أُمِّ المؤمنين جُوَيْرِية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لها: (ألا أعلمك كلمات تقولينها:
سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله عدد خلقه.
سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله رضا نفسه.
سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله زنة عرشه.
سبحان الله مداد كلماته. سبحان الله مداد كلماته. سبحان الله مداد كلماته).
رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان.
وورد عند مسلم والترمذي بلفظ آخر، والمعنى واحد، وهو حديث ثابت صحيح.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً لأبي أمامة: (ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار.. تقول:
الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما خلق في السماوات، وما في الأرض.
والحمد لله عدد ما أحصى كتابه. والحمد لله عدد كل شيء. والحمد لله ملء كل شيء.
وتسبح الله مثلهن.. تعلمهن، وعلمهن من بعدك).
رواه الطبراني عن أبي أمامة.
وبالجملة، فإن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطلوبة دائماً أبداً من كل مسلم: حفظاً لنفسه، وإكراماً لها، وأداء لذلك الدَّيْن الذي لا يُؤدّى، وإن صلى عليه المصلي ألف عام، ليلَها ونهارَها بدون انقطاع.. ولو صلى كَرَّ الدهور والأعوام، حتى ينقطع أثر الدنيا!..
الدعاء والصلاة:
ومن المعروف أن أي دعاء لا يُستجاب حتى يُصَلّى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الدعاء محجوب عن الله حتى يُصلى على محمد وأهل بيته). رواه أبو الشيخ عن الإمام علي كرم الله وجهه.
وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما سُئل: كيف نصلي عليك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آله محمد).
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: إن مَنْ لم يصل على أهل البيت فصلاته باطلة.
أي: لأنه أمر، والأمر واجب النفاذ... والله تعالى أعلم.
وآداب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: أولها وأولاها ما عرّفنا إياه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقوله: (لا تجعلوني في الدعاء كقدح الراكب: إن الراكب يملأ قدحه، فإذا فرغ وعلق معاليقه، فإن كان فيه ماءٌ شرب حاجته، أو الوضوء توضأ، وإلا أهراق القدح، فاجعلوني في أول الدعاء، وفي أوسطه، ولا تجعلوني في آخره). وفي لفظ: (فاجعلوني في وسط الدعاء، وفي أوله، وفي آخره).
رواه عبد بن حميد، والبزار في مسنديهما، وعبد الرزاق في جامعه، وابن أبي عاصم في الصلاة، والتيمي في الترغيب، والطبراني والبيهقي في الشعب، والضياء المقدسي، وأبو نعيم في الحلية.
وهناك أحاديث أخرى كثيرة وصحيحة ثابتة، تركناها مخافة الإطالة.
دعاء أبي بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه:
وكذلك من الأدعية التي وردت في كتب الصلاة على سيد السادات: دعاء أبي بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، ونصه كما رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب:
(اللهم: إني أسألك بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيبك، وعيسى كلمتك وروحك، وبتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود، وفرقان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعليهم أجمعين.. وبكل وحيٍ أوحيته، أو قضاء قضيته، أو سائل أعطيته، أو غنِيٍّ أفقرته، أو فقير أغنيته، أو ضالٍّ هديته.
وأسألك باسمك الذي أنـزلته، على موسى صلى الله عليه وسلم.
وأسألك باسمك الذي بثثت به أرزاق العباد.
وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرض فاستقرت.
وأسألك باسمك الذي وضعته على السماوات فاستقلت.
وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فرست.
وأسألك باسمك الذي استقل به عرشك.
وأسألك باسمك الطُّهْرِ الطَّاهِرِ، الأحد الصمد الوتر المنـزل في كتابك من لدنك من النور المُبين.
وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار، وعلى الليل فأظلم، وبعظمتك وكبريائك، وبنور وجهك الكريم: أن ترزقني القرآن والعمل به، وتخلطه بلحمي ودمي وسمعني وبصري، وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، يا أرحم الراحمين).
صلاة الإمام عليٍّ كرم الله وجهه ورضي الله عنه:
ويجب أن تعلم - يا أخي المسلم - أن الأدعية التي وردت في كتب الصلاة على النبي صلى الله تبارك وتعالى عليه وآله وصحبه وسلم مأخوذة من السنة، جردوها من الإسناد، وجعلوها ورداً يتلى وينتفع به الناس.
ومن الصلوات التي اعترضوا عليها: صلاة (الفاتح لما أغلق)، وهي موجودة فعلاً في أغلب كتب الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصيغتها المعروفة: (اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، صلى الله عليه وآله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم).
اتُّهِمَ بها السادة التِّجانية - رضي الله عنهم - وشنوا عليهم حرباً ضروساً بسببها.
والواقع أن لها أصلاً كبيراً في السنة، وأنها ليست من اختراع السادة التجانية، ولا غيرهم . وإنما هي صلاة الإمام علي كرم الله وجهه، التي كان يصلي بها على رسول الله صلى الله تبارك وتعالى عليه وسلم، وعلمها الناس.
كل ما فعلوه أنهم اختصروا منها هذا الجزء، تسهيلاً على المصلي، وليحفظها الذي لا يقرأ.
وأما نص الصلاة، فكما رواها ابن كثير في تفسيره جـ3 ص509 عند قوله تبارك وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ... }. ورواها أبو القاسم الطبراني، وابن قتيبة في مشكل الحديث. وجمع أبوالحسين أحمد بن فارس (اللغوي المشهور) جزءاً خاصاً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأورد فيه هذا الحديث.
ونصها هو نفس النص الموجود والمتداول في كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي:
(اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطرتها: شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل؛ كما حمل فاضطلع بأمرك بطاعتك. مستوفزاً في مرضاتك، غير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، واعياً لوحيك، حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورى قبساِ لقابس.. آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم؛ وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام؛ فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمةً، ورسولك بالحق رحمةً.
اللهم افسح له في عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول.
اللهم أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونـزله، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مَرْضِىَّ المقالة، ذا منطق عدل، وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم) ا هـ.
هذا الذي قرأت يا أخي المسلم: نور: وأي نور!، وحكمة: وأي حكمة!، وكيف لا يكون كذلك وهو من قلب من جعل الله في صلبه ذرية أحب الخلق إليه!
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب). رواه الطبراني عن جابر بن عبد الله، والخطيب عن عبد الله بن عباس.
هذا الدعاء صلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر لفضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراحمه وملاحمه.. وفيه من جمال الأسلوب ورونقه وحسنه ما يجل عن الوصف!..
وكيف لا يكون كذلك، وهو من كلام باب مدينة العلم رضي الله عنه وأرضاه، وكرم الله وجهه. [لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها.. فمن أراد العلم فليأت الباب). رواه أبو الشيخ، وابن حبان في السنة، والعقيلي، وابن عدي، والطبراني، والحاكم في المناقب..
وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة، بعد كلام طويل: (فليس هذا الحديث بكذب). وعلق عليه الشيخ أبو الفضل الغماري - أكرمه الله - بقوله: بل صحيح جداً، لعدة وجوه بيّنها شقيقنا: أبو الفيض في فتح الملك العلي، بصحة حديث باب مدينة العلم علي)].
ولا يهولنك ما تجد فيها من ألفاظ قد لا تفهم معناها المقصود بها، مثل قوله رضي الله عنه: (افسح له في عدنك) - وهو على قدر معرفتي - ليس من باب تحصيل الحاصل، وإنما من باب إضفاء الخير على الداعي نفسه، إذ كل خير في الدنيا والآخرة يضفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سيصيب أمته منه القدر الوفير، فالإفساح له في جنة عدن إنما هو لأمته صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى أعلم، والرجوع إلى أهل العلم وشراح هذا الحديث أولى.
وقد شرحه بما لا مزيد عليه الشيخ حسن العدوي في شرحه على دلائل الخيرات.
صلاة أخرى للإمام علي كرم الله وجهه:
وهذه صلوات أخرى متداولة بين الصحابة رضي الله عنهم رويت عن علي كرم الله تبارك وتعالى وجهه أيضاً:
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }.
(لبيك اللهم ربي وسعديك، صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيءٍ يا رب العالمين، على سيدنا محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الشاهد البشير، الداعي إليك بإذنك، السراج المنير، وعليه السلام).
صلاة سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
(إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه).
قالوا له: علمنا؟.
قال: ( قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، رسول الرحمة.
اللهم ابعثه مقاماً محموداً، يغبطه به الأولون والآخرون.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد). رواه ابن ماجه.
صلاة الحسن البصري:
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول:
( من أراد أن يشرب بالكأس الأوفى، من حوض المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فليقـل:
اللهم صلِّ على محمد، وعلى آله وأصحابه وأولاده، وأزواجه، وذريته، وأهل بيته، وأصهاره، وأنصاره، وأشياعه، ومحبيه، وأمته، وعلينا معهم أجمعين، يا أرحم الراحمين ).
دعاء ابن عباس:
وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: (اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وآته سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى).
لا حجر على الوارد:
على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحجرنا على الوارد فقط؛ إذ ربما يكون هناك رجل من الناس لا يحفظ شيئاً من الوارد مثلاً، فأطلق لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الدعاء.
وهاهو ذا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أما الركوع، فعظموا فيه الرب.. وأما السجود، فادعوا فيه بما شئتم).
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (بما شئتم): إطلاق للداعي.
وقد طلب الله من موسى صلى الله عليه وسلم أن يسأله في كل شيء، حتى شسع النعل وملح الطعام، فقال له: (يا موسى.. سلني في كل شيء، حتى شسع نعلك، وملح طعامك).
ولذا نقول للإخوة المجادلين:
لا تحجروا واسعاً، إذ ما لم يبلغكم، ربما يكون قد بلغ الآخرين، وبحر السنة لا ساحل له، وموجه كالجبال لا يتخطاه إلا أهل العناية.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل العناية والتوفيق، ويرزقنا حسن الأدب.

نتيجة الفكر في الجهر بالذكر

نتيجة الفكر في الجهر بالذكر
للإمام جلال الدين السيوطي
رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى
سألتَ - أكرمك الله - عمَّا اعتاده الصوفية من عَقْد حلق الذكر، والجهر به في المساجد، ورفع الصوت بالتهليل، وهل ذلك مكروه أم لا ؟
الجـواب:
إنَّه لا كراهة في شيء من ذلك، وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر، وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به، والجمعُ بينهما أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، كما جَمَعَ النَّوويُّ بمثل ذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن والأحاديث الواردة باستحباب الإسرار بها، وهاأنا أبين ذلك فصلاً فصلاً .
( ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً )
الحديث الأول:
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه "، والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جَهْر.
الحديث الثاني:
أخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه، عن جابر رضي الله عنه قال : خرج علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : " يا أيها النَّاس، إنَّ لله سرايا من الملائكة تحلّ وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعُوا في رياض الجنَّة، قالوا : وأين رياض الجنَّة ؟ قال : مجالس الذكر، فاغدوا ورُوحوا في ذكر " .
الحديث الثالث:
أخرج مسلم، والحاكم - واللفظ له - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي عليه الصلاة والسلام : " إنَّ لله ملائكة سَيَّارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض، فإذا أتوا على مجلس ذكر حَفَّ بعضُهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله : من أين جئتم ؟ فيقولون : جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك، فيقول : ما يسألون ؟ وهو أعلم، فيقولون : يسألونك الجنَّة، فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا يا رب، فيقول : فكيف لو رأوها ؟!، ثم يقول : ومم يستجيروني ؟، وهو أعلم بهم، فيقولون : من النار، فيقول : وهل رأوها، فيقولون : لا، فيقول : فكيف لو رأوها ؟!، ثم يقول : اشْهَدُوا أنِّي قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوني، وأجَرْتهم مما استجاروني، فيقولون : ربنا إنَّ فيهم عبداً خطاء جلس إليهم وليس منهم، فيقول : وهو أيضاً، قد غفرت له، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم " .
الحديث الرابع:
أخرج مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهما- قالا : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " ما من قَوْم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده " .
الحديث الخامس:
أخرج مسلم والترمذي عن معاوية أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خَرَجَ على حلقة من أصحابه فقال : " ما يجلسكم ؟ "، قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال : " إنه أتاني جبريل؛ فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة "
الحديث السادس:
أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شُعَب الإيمان، عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا مجنون " .
الحديث السابع:
أخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي الجوزاء رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مُرَاءُون " مُرْسَل .
ووجه الدلالة من هذا والذي قبله أنَّ هذا إنما يقال عند الجهر دون الإسرار .
الحديث الثامن:
أخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إذا مررتم برياض الجنة فارتَعُوا "، قالوا : يا رسول الله، وما رياض الجنة ؟، قال : " حِلَقُ الذكر " .
الحديث التاسع:
أخرج بقيُّ بن مَخْلد، عن عبد الله بن عمرو، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ بمجلسين، أحد المجلسيْن يَدْعُون الله ويرغبون إليه، والآخرُ يعلمون العلم، فقال : " كلا المجلسَيْن خير، وأحدهما أفضل من الآخر " .
الحديث العاشر:
أخرج البيهقيُّ، عن عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من قوم اجْتَمَعُوا يذكُرُونَ الله إلا ناداهُمْ مُنَادٍ من السماء : قُومُوا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حَسَنات " .
الحديث الحادي عشر:
أخرج البيهقي، عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يقول الربُّ تعالى يوم القيامة : سَيَعْلمُ أهْلُ الجمع اليوم مَنْ أهل الكرم "، فقيل : ومَنْ أهل الكرم يا رسول الله ؟ قال : " مجالس الذكر في المساجد " .
الحديث الثاني عشر :
أخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إنَّ الجبل لَيُنَادي الجبل باسمه : يا فلان، هل مرَّ بك اليوم لله ذاكر ؟ فإن قال نعم استبشر، ثم قرأ عبد الله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } ... الآية [مريم : 89، 90]، وقال : أيسمعون الزور ولا يسمعون الخير .
الحديث الثالث عشر:
أخرج ابن جرير في تفسيره، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ } [الدخان : 29] قال : إنَّ المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض الموضع الذي كان يصلي فيه ويذكر الله فيه .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عبيد قال : إنَّ المؤمن إذا مات نَادَتْ بِقَاعُ الأرض : عبدُ الله المؤمن مات، فتبكي الأرض والسماء، فيقول الرحمن : ما يبكيكما على عبدي ؟ فيقولون : ربَّنَا لم يمش في ناحية منَّا قط إلا وهو يذكرك .
وجه الدلالة من ذلك أنَّ سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به .
الحديث الرابع عشر:
أخرج البزار، والبيهقي، بسند صحيح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " قال الله تعالى : عبدي إذا ذَكَرْتَنِي خالياً ذَكَرْتُكَ خالياً، وإنْ ذَكَرْتَنِي في مَلأ ذَكَرْتُكَ في مَلأ خير منهم وأكثر " .
الحديث الخامس عشر:
أخرج البيهقيُّ، عن زيد بن أسلم قال: قال ابنُ الأدرع : " انطَلَقْتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليلةً، فمرَّ برجُل في المسجد يرفع صوته، قلت : يا رسول الله، عسى أن يكون هذا مرائيا، قال : "لا، ولكنَّه أواه " .
وأخرج البيهقيُّ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : " أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجُل يقال له ذو البجادين : "إنَّه أوَّاه، وذلك أنَّه كان يذكر الله " .
وأخرج البيهقيُّ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه : " أنَّ رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجلٌ : لو أنَّ هذا خَفَضَ من صوته، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : " دَعْهُ فإنَّه أوَّاه " .
الحديث السادس عشر:
أخرج الحاكم، عن شدَّاد بن أوس قال : " إنَّا لعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال : ارفعوا أيديكم فقولوا : لا إله إلا الله، ففعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إنَّك بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنّة، إنك لا تخلف الميعاد، ثم قال : أبشروا، فإنَّ الله قد غفر لكم" .
الحديث السابع عشر:
أخرج البزار، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إنَّ لله سَيَّارة من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذِّكْر، فإذا أتَوا عليهم حَفُّوا بهم، فيقول الله تعالى : غَشُّوهُمْ برحمتي، فهم الجلساء لا يشقَى بهم جليسهم " .
الحديث الثامن عشر:
أخرج الطبراني، وابن جرير، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال : نزَلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بعض أبياته: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } [الكهف : 28]، فخرج يلتمسهم، فوجد قوماً يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجاف الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمَّا رآهم جلس معهم، وقال : " الحمدُ لله الذي جعل في أمتي مَنْ أمرني أن أصبر نفسي معهم " .
الحديث التاسع عشر:
أخرج الإمام أحمد في الزهد، عن ثابت قال : كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكفوا، فقال : " ما كنتم تقولون؟ " قلنا: نذكر الله. قال : " إني رأيت الرحمة تنزل عليكم ؛ فأحببت أن أشارككم فيها "، ثم قال : " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم " .
الحديث العشرون:
أخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي رزين العقيلي : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : " ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خيري الدنيا والآخرة؟ " قال : بلى، قال : " عليك بمجالس الذكر، وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله " .
الحديث الحادي والعشرون:
أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي والأصبهاني، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من الدنيا وما فيها".
الحديث الثاني والعشرون:
أخرج الشيخان عن ابن عباس قال : إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته .
الحديث الثالث والعشرون:
أخرج الحاكم، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة " .
وفي بعض طرقه : " فنادى " .
الحديث الرابع والعشرون :
أخــرج أحمـــد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن السائب أن رسول الله صلى الله عليه ةآله وسلم قال : " جاءني جبريل فقال : مُرْ أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير " .
الحديث الخامس والعشرون:
أخرج المروزي في كتاب العيدين عن مجاهد : أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يأتيان السوق أيام العشر فيكبران، لا يأتيان السوق إلا لذلك .
وأخرج أيضاً عن عبيد بن عمير قال : كان عمر يكبر في قبته، فيكبر أهل المسجد، فيكبر أهل السوق، حتى ترتج مني تكبيرا .
وأخرج أيضاً عن ميمون بن مهران قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها .
(فصــــل)
إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر، بل فيها ما يدل على استحبابه، إما صريحاً أو التزاماً كما أشرنا إليه .
وأما معارضته بحديث " خير الذكر الخفي " فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث: "المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة "، وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط .
وقال بعضهم : يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها، لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار . انتهى
وكذلك قول في الذكر على هذا التفصيل، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث .
فإن قلت : قال الله تعالى : { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } [الأعراف: 25] .
قلت : الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه :
الأول : أنها مكية، كآية الإسراء {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [الإسراء : 110]، وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله، فأمر بترك الجهر سداً للذريعة، كما نهى عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى : {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وقد زال هذا المعنى، وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره .
الثاني : أن جماعة من المفسرين، منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك وابن جرير، حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن، وإنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده أصوات، ويقويه اتصالها بقوله : {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الأعراف: 204] .
قلت : وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة، فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باق حتى لا يغفل عن ذكر الله، ولذا ختم الآية بقوله : {ِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].
الثالث: ما ذكره الصوفية، أن الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الكامل المكمل، وأما غيره ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر، لأنه أشد تأثيراً في دفعها .
قلت : ويؤيده من الحديث ما أخرجه البزار، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من صلى منكم بالليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة تصلي بصلاته وتسمع لقراءته، وإن مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته ويستمعون قراءته، وإنه ينطرد بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فساق الجن ومردة الشياطين " .
فإن قلت : فقد قال تعالى : {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، وقد فسر الاعتداء بالجهر في الدعاء .
قلت : الجواب من وجهين :
أحدهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور به أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، ويؤيده ما أخـرجه ابن ماجه، والحاكم في مسـتدركه وصححه، عن أبي نعامة رضي الله عنه، أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء ".
الثاني: على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر، والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار، لأنه أقرب إلى الإجابة، ولذا قال تعالى : {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا} [مريم : 3]، ومن ثم استحب الإسرار بالاستعاذة في الصلاة اتفاقاً، لأنها دعاء .
فإن قلت : فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد، فقال : ما أراكم إلا مبتدعين، حتى أخرجهم من المسجد .
قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد : ثنا حسين بن محمد، ثنا المسعودي، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال : هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر، ما جالست عبد الله مجلسًا قط إلا ذكر الله فيه .
وأخرج أحمد في الزهد، عن ثابت البناني قال : " إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام أمثال الجبال، وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شيء ".

حقيقة صوفية حضرموت