منتدى الحوار الاسلامي

الاثنين، 12 أبريل 2010

نظرة في تنوع الجهود العلمية للعلامة السيد محمد علوي المالكي




نظرة في تنوع الجهود العلمية
للعلامة السيد محمد علوي المالكي
       بقلم: محيي الدين حسين يوسف الإسنوي 

في فجر ليلة الجمعة 15 رمضان 1425 الموافق 29 أكتوبر 2004م انتقل إلى جوار ربه العلامة الدكتور السيد محمد الحسن بن علوي بن عباس المالكي المكي عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاماً قضاها في خدمة العلم، وقد صلى عليه بعد عشاء يوم الجمعة في المسجد الحرام جمع غفير من العلماء والدعاة وأهل العلم والمعتمرين، وبعد الصلاة تخاطفت الأيدي جنازة الشيخ وحملتها مشياً على الأقدام سيراً حتى مقابر (المعلاة) حيث دفن بجوار والده رحمهما الله، وليس هنا أصدق من قول الإمام أحمد: (بيننا وبينكم الجنائز).
والسيد محمد الحسن بن علوي المالكي الحسني ولد بمكة المكرمة عام 1362هـ (1943م)، ونشأ بها نشأة إسلامية علمية صوفية في كنف والده الإمام السيد علوي بن عباس المالكي (من كبار علماء مكة وفقهائها)، وترعرع المالكي في رحاب حلقات العلم بالمسجد الحرام، فحضر كبار العلماء بالحرمين الشريفين، وعلى رأسهم والده ت1391، والشيخ حسن بن محمد المشاط ت1399, والشيخ محمد يحيى بن الشيخ أمان ت1387, والشيخ محمد العربي التباني ت1390, والشيخ محمد نور سيف بن هلال المكي ت1403، والشيخ حسن بن سعيد يماني ت1391, والشيخ عبدالله بن سعيد اللحجي ت1410, والشيخ محمد يس الفاداني ت1410, وغيرهم.
ونال السيد المالكي حظه من الدراسة النظامية، فحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، كما كان له عدة رحلات علمية إلى الهند وباكستان وليبيا والمغرب وغيره، فأخذ عن جملة كبيرة من العلماء واستفاد منهم.
وقد عين الشيخ مدرساً بكلية الشريعة بمكة المكرمة (1390هـ - 1399هـ).
وبعد وفاة والده السيد علوي المالكي (1391هـ) اجتمع علماء مكة المكرمة وعلى رأسهم الشيخ حسن المشاط والشيخ محمد نور سيف والشيخ محمد سليم رحمت الله والسيد أمين كتبي وغيرهم, فكلفوه بالتدريس في المسجد الحرام في حلقة والده السيد علوي التي استمرت خمسين عاماً بلا انقطاع، فكانت حلقته في المسجد الحرام استمراراً لحلقة والده، ثم كانت حلقة علمه العامرة ببيته ومدرسته إلى أن لقي الله تعالى، وهو بين طلابه وتلاميذه معلماً ومربياً ومرشداً ربانياً.
وللسيد محمد الحسن بن علوي المالكي رحمه الله مشاركات كثيرة وجهود علمية ودعوية متنوعة، فشارك بمحاضراته في المواسم الثقافية برابطة العالم الإسلامي، وكان رئيساً للجنة التحكيم الدولية لمسابقة القرآن الكريم بالمملكة عدة سنين (1399/1400/1401هـ)، وترأس جلسات متعددة في مؤتمر الإمام مالك الذي يعقد سنويا في المغرب، وكان كبير الضيوف ولسانهم في مؤتمر القاضي عبدالوهاب البغدادي الذي أقامته دار البحوث بدبي(13-19 المحرم 1424هـ)، وكذلك شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية العالمية.
وللسيد المالكي اهتمام كبير بمذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس، وقد كان محل تقدير المجامع العلمية والمؤتمرات، وقد ترك ثروة علمية من البحوث والدراسات في ذلك، منها:
1- دراسات حول الموطأ.
2- فضل الموطأ وعناية الأمة الإسلامية به.
3- دراسة مقارنة عن روايات موطأ الإمام مالك.
4- شبهات حول الموطأ وردها.
5- إمام دار الهجرة مالك بن أنس.
6- تحقيق تلخيص القابسي للموطأ، رواية ابن القاسم.
ولعل من آخر ما كتبه العلامة المالكي في خدمة المذهب المالكي بحثه (الفقه المالكي وأحواله في ظل الفقه الحنبلي بمكة المكرمة في القرن الرابع عشر)، والذي قدمه في مؤتمر القاضي عبد الوهاب البغدادي (13-19 المحرم 1424هـ)، وهو يعبر عن جانب مهم من التاريخ المعاصر للمذهب المالكي في الحجاز.
واشتهر المالكي محدثاً، جمع العديد من الأثبات والفهارس، وتنتهي إليه العديد من الأسانيد العالية، ومن كتبه في الدراسات الحديثية: (عناية الأمة بالسنة)، (كشف الغمة)، (المنهل اللطيف في أصول الحديث الشريف)، وغيرها.
وللمالكي اهتمام كبير بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله، وكان يرى أن تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته ودراسة صفاته وسننه والتعلق به والمحافظة على آثاره والتبرك بها، باب صلاح هذه الأمة والرقي بها، وباب عظيم من أبواب التربية والوصول إلى الله تعالى، فكتب المالكي: (محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل)، (تاريخ الحوادث النبوية)، (الذخائر المحمدية)، (مفاهيم يجب أن تصحح)، (شفاء الفؤاد في زيارة خير العباد)، (وهو بالأفق الأعلى)، (القدوة الحسنة في منهج الدعوة ضرورة الرجوع إلى السنة النبوية)، ونشر عدداً من الأبحاث حول مشروعية الاحتفال بالمولد، كما قام بتحقيق وطبع عدد من الموالد منها مولد الشيخ علي القاري، ومولد ابن الديبع الشيباني.
ومؤلفات العلامة المالكي الكثيرة تبرز لنا سمات شخصيته، واهتماماته العلمية، وتنوع الخطاب الفكري والعلمي لديه، ساعد على ذلك مشاركة قوية في فنون العلم، وذاكرة قوية حفظت الكثير من الوقائع التاريخية، وعقل ثاقب، تظهر معالم ذلك مثلاً في كتبه: (شريعة الله الخالدة)، و(المسلمون بين الواقع والتجربة), و(مفهوم التطور والتجديد), و(منهج السلف في فهم النصوص), و(خصائص الأمة المحمدية)، و(المستشرقون بين الإنصاف والعصبية).
وكشأن الأئمة الربانيين اهتم المالكي بالتزكية والتربية، فربى الرجال، وكتب (أصول التربية الإسلامية)، كما اهتم بالدعاء وآدابه وشروطه، فجمع الكثير من الدعوات المأثورة والمشهورة عن السلف الصالح وأهل الصلاح والسلوك والولاية في (أبواب الفرج)، و(خلاصة شوارق الأنوار)، و(الحصون المنيعة).
وقد كافح السيد محمد علوي المالكي ونافح عن أهل السنة والجماعة (السادة الأشاعرة والماتريدية)، وعن المذاهب الأربعة الفقهية، وعن طريقة الإمام أبي القاسم الجنيد في التربية والسلوك والتصوف، فشرح ووضح وصحح الكثير من المفاهيم الشائعة، بأسلوب سهل واضح، مما جعله مستهدفاً لخصومه، الذين فوقوا سهامهم إليه فردها الله تعالى عنه، فكانت مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني، ومحاضراته ولقاءاته الإذاعية والتلفزيونية قبيل وفاته .
وللتاريخ نذكر أن المالكي لما ألف بعض كتبه، قام أصحاب الفكر الآخر بالثورة واستعداء السلطات عليه والمطالبة بعزله أو طرده، وصدرت القرارات في حقه، وسخرت الأقلام لنقده، فكان من ذلك: ما كتبه الشيوخ التويجري والأنصاري، وسمير المالكي، ومن ذلك كتاب (هذه مفاهيمنا) للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، و(حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته) للشيخ عبد الله بن منيع.
فلما ظهرت هذه الكتب قام العلماء بالرد عليها وتفنيد ما فيها، فطبع كتاب (الرد المحكم المنيع على شبهات ابن منيع) للسيد يوسف هاشم الرفاعي، وألف الشيخ راشد المريخي كتابه (إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل)، وكتب الشيخان عبدالكريم المغربي وعبدالحي العمراوي (التحذير من الاغترار بما جاء في كتاب الحوار)، وكان لكبار علماء الأزهر والمغرب وأبو ظبي ودبي من المؤلفات والبحوث والتقريرات والتقاريظ ما أوجد صحوة فكرية، مما هو دفاع عن المنهج الأصيل وليس دفاعاً عن المالكي فحسب، ومما قاله الدكتور البوطي : (محمد علوي المالكي من أهل السنة والجماعة، ولم يقرأ الناس في تآليفه وكتاباته ولم يروا من واقع حاله إلا ما يزيدهم ثقة باستقامته وصلاح حـاله وسلامة عقيدته).
ومع كل ما استهدفه السيد المالكي من خصومه، فقد اشتهر بسعة الصدر ورحابته في تعامله مع الآخر، ودعوته الصادقة إلى الوحدة والتسامح، مستوعباً مأساة التشرذم وخطورة التطرف، فعالج الكثير من القضايا بالحكمة والموعظة الحسنة، واجتاز الكثير من المفاوز، وكان كتابه (التحذير من المجازفة بالتكفير) ورقة عمل إسلامية في سبيل وحدة الصف.
قام المالكي بتقريب الكتب العلمية لطلبته فألف : (زبدة الإتقان في علوم القرآن) و( القواعد الأساسية في علوم القرآن)، و(القواعد الأساسية في علم مصطلح الحديث)، و(القواعد الأساسية في أصول الفقه)، وغيرها.
وقد عمل السيد المالكي رحمه الله على خدمة ونشر التراث العلمي لوالده العلامة السيد علوي بن عباس المالكي أحد كبار مدرسي الحرم المكي وعلماء المذهب المالكي بالحجاز، كما اهتم خصوصاً بجمع أسانيد والده في مؤلفه (إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية)، وجمع أسانيد جده في مؤلفه: ( نور النبراس بأسانيد الجد السيد عباس).
وللمالكي عدد كبير من الكتب غير ما ذكرنا في هذه الإطلالة، وهي إنما تدل على فضله وتنوع معارفه، كما تنم عن منهجه القويم الذي انتهجه، ولمعرفة ما تمثل هذه المؤلفات عند صاحبها أذكر هنا أن السيد محمد علوي سئل عن كتبه، فقال: (بعد اعتزال التدريس الحكومي كثفت دروسي، وأنشئت مدارس كثيرة وتفرغت للتأليف، ومؤلفاتي أولادي، وأذكر أن أحد العلماء لم يكن له أولاد فقال:
يقولون: إنَّ المرء يبقى بنســله
وليس له ذكر إذا لم يكن له نَسْلُ
فقُلتُ لهم: نَسْلي طرائف حكمتي
فإن فاتنا نســل فإنا بها نَســْلُو)

وبعد، فإنه يصدق على السيد المالكي أنه أمة في شخص، فقد كان وحده مدرسة كبيرة، تخرج فيها مئات طلبة العلم والربانية، وكان مؤسسة علمية أخرجت لنا العشرات من المؤلفات والبحوث المنهجية المؤثرة، ... رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأمته وسلم

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يشرفني طرح أرائكم سادتي

حقيقة صوفية حضرموت