منتدى الحوار الاسلامي

الاثنين، 12 أبريل 2010

التصوف الإسلامي وروح العصر

التصوف الإسلامي وروح العصر
لم تتلق الأمة الإسلامية عبر تاريخها كله ضربات أشد وطأة مما تتلقاه الآن، ولم تتداع عليها الأمم من قبل كما تتداعى عليها في مثل هذه الأزمان، ولم ينتابها في يوم شعور بالمذلة والهوان والتخبط والهزيمة والاستسلام مثلما ينتابها في مثل هذه الأيام، حتى قدموا لها دعاوى الكفر والإلحاد، على أنها حرية شخصية، والسخرية من الأديان والرسل والعقائد، على أنها حرية تعبير، والتشكيك والتشويه والتخريف والتحريف والتغريب على أنه تنويرًا، والموبقات المدمرة في كافة وسائل الإعلام (المرئي، والمسموع، والمقروء)، ومحلات العري والرقص، وأندية الخمر والقمار، والإيدز والشذوذ، ومخازي عُلب الليل، والمصائب المذاعة في المسارح والسينمات والمصايف والمشاتِ، التي تحطم أقدس مواريث الدين والخلق، والوطنية والإنسانية، قدموها على أنها تمدنًا ورقيا، فتغرب المسلمون عن إسلامهم، وتناقضت معاملاتهــم مع دينهـم، وسـلوكياتهم مـع مبادئهم وقيمه .

ولذلك كان التصوف، أي مطابقة القول للعمل، والدين للمعاملة، والسلوك للمباديء. ولكن التصوف اليوم محاصر بين أعداء وأدعياء ، أعداء راحوا يكيلون له التهم ويرمون أهله بالأباطيل دون أدنى أساس من العلم أو الدين أو الخلق المستقيم ، هؤلاء عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء ، ثم جلسوا في مجلس الحاكم بأمره ، يوزعون مراسم الزندقة والتبديع والتكفير والشرك والتفسيق والخرافة كأنهم أوصياء على الله ، متخذين من جهلهم حجة على علم الناس، وجعلوا الجنة إقطاعًا خاصا بهم وبمن معهم، لا يدخلها إلا من كان مظهره مظهرهم ومحضره محضرهم ومخبره مخبرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وعلى الجانب الآخر راح الأدعياء بما يأتونه من المخازي والمنكرات والمخالفات الشرعية والخلقية يمدون إخوانهم أعداء التصوف في الغي، ويخدعون من تبعهم من العوام، ويقطعون السبيل على المقبلين على الله من المؤمنين .

ألم ير هؤلاء وهؤلاء أن الإسلام اليوم هو الآخر محاصر بين أعداء وأدعياء ؟.
ألم يتساءل أحد عن سر التماثل في الموقفين ؟! حصار التصوف في حصار الإسلام ؟! .

إن معاداة التصوف تعني معادة الإسلام والقضاء على التصوف يعني القضاء على الإسلام ، فالتصوف هو حقيقة الإسلام وروحه وذروة سنامه ، فماذا تبقّى من الإسلام إن لم يكن هناك صدق وإخلاص، وتقوى وورع، ومحبة وشجاعة، وحلم وصبر، وزهد وكرم، وخلق وسلوك مستقيم؟!


إن التصوف من الإسلام كالرائحة من الزهرة أو كالثمرة من الشجرة .

فهل للزهرة قيمة دون رائحتها ؟ أو للشجرة دون ثمارها ؟ أو للدين معنى دون المعاملة ، إن محاربة التصوف ومحاولة إبعاده عن حياة الناس هو الذي أدى إلى ما نحن فيه اليوم من انفصام في الشخصية الإسلامية والشعور بالهزيمة الحضارية ، فبانفصال المفهوم والتصور عن الواقع والسلوك ، أضحى الدين ممسوخًا في حياة الأمة ، لا روح فيه ولا قلب ، لا حقيقة له ولا أصل، لا واقع له ولا حضارة، ولا سيادة له ولا قيادة، ولا رائحة له ولا طعم .

وأضحى المسلم ممسوخـًا في شخصه ، حائرًا في فكره ، زائغًا في بصره ، مهزومًا في حضارته ، ظاهرًا لا باطن له، رسمًا لا حقيقة له ، قولاً لا فعل له، كلامًا لا صدق فيه، بصرًا لا بصيرة له، لذلك كان التصوف الراشـد ، رسـالة الوعي الناهـض التي حمل لواءها ولا زال العالم الجليل الإمام (محمد زكي إبراهيم) رائد العشيرة المحمدية على مدى خمسين عامًا، لم يأل له جهد، ولم تثبط له عزيمة من أجل إنقاذ التصوف ، يعنى إنقاذ الإسلام من الأعداء ،وتخليصه من خلط وتلبس الأدعياء ، رغم ما عانى ولا يزال يعاني (رضي الله عنه) في سبيل ذلك من افتراء الأعداء وتقلبات الأدعياء ، فالتصوف هو المخرج الوحيد للأمة لكي تعود إليها هويتها، وللمسلم لكي يعود إليه وعيه، وإن شئت فاسمع معي ما يقول ذلك السيد الجليل : يا ولدي : ) إن التصوف خدمة تتكيف بحاجة كل عصر، وكل إنسان وكل وطن ، فهي تجسيد شامل لعملية الاستخلاف على الأرض ، إن التصوف (التقوى) والتصوف (التزكية)، وهي مقام يجمع الخوف والرجاء، وينهض بالعقيدة والخلق، وبه تتحقق إنسانية الإنسان، التصوف أدب، فالعقيدة أدب، والعبادة أدب، والمعاملة أدب، من تعلم الأدب بلغ الأرب .

التصوف فرض عين، لأنه : طلب الكمال ، وما من مخلوق إلا وفيه نقص يجب استكماله وبالتالي كان كل علم يمكن الاستغناء عنه إلا التصوف لأن موضوعه: الذات والروح ، وعلاقة الوجود بالموجود ، وارتباط الغيب بالشهادة ، والملك بالملكوت ، وكل علم بعد ذلك فهو نافلة .

التصوف فناء صفة العبد ببقاء صفة المعبود ، التصوف أمر من الله في قوله تعالى : ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)(آل عمران: من الآية79).

التصوف خلق، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف، فزاد عليك في الإنسانية ، فنفع وانتـفع وأدى رسـالة البشـرية بروح ســماوية علية ." اهـ.




 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يشرفني طرح أرائكم سادتي

حقيقة صوفية حضرموت