منتدى الحوار الاسلامي

الاثنين، 12 أبريل 2010

حياة القلوب في رحاب الذكر

 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

ذكر الله عز وجل قوت للقلوب، وقرة للعيون، وسرور للنفوس، به تُجلب النعم وتُدفع النقم؛ فهو نعمة عظمى ومنحة كبرى، له لذة لا يدركها إلا من ذاقها، عبر عنها أحدهم فقال: "والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".
وذكر الله هو أعظم ما فتق عنه لسان وتدبره جنان. فلا بد من اجتماع اللسان والجنان حتى يؤتي الذكر ثماره ويستشعر العبد آثاره. فقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ فهم جمعوا بين ذكر الله تعالى في كل أحوالهم ودعائه، والتفكر في خلق السماوات والأرض.
وقال أحد العارفين: "لا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك من ذكر في القلب، وذكره تعالى يكون لعظمته؛ فيتولد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولد منه الخوف والخشية، وتارة لنعمته فيتولد منه الحب والشكر، وتارة لأفضاله الباهرة فيتولد منه التفكير والاعتبار؛ فحق للمؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره على أحد هذه الأوجه
".

الحياة لمن ذكر
لا نقصد بالحياة هنا الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية؛ وإنما نقصد بها حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، نقصد الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ. فهذه الحياة متحققة بالاستجابة لأمر الله ورسوله. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت".
ومن مظاهر هذه الحياة اطمئنان القلب ويقينه في الله تعالى، واستكمال الآية الكريمة آنفة الذكر: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وهذا يعني أن هناك علاقة قوية ومباشرة بين هذه الحياة والقلب؛ فحيلولة الله بين المرء وقلبه تعني موات هذا القلب وعدم انتفاعه بالموعظة.
وذكر الله عز و جلهو الطريق الرئيسي لتحقيق هذا اليقين القلبي، ومصداق ذلك قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. ومن أول صفات المخبتين الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وتوعد سبحانه وتعالى القلب الميت الذي لا يتأثر بالذكر فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.
وعلاقة اطمئنان القلب بالذكر أن العبد إذا ذكر من أسماء الله وصفاته: الرزاق الفتاح الوهاب الكريم الباسط؛ اطمأن على رزقه. وإذا ذكر من أسمائه تعالى: الغفور الرحيم التواب العفو؛ اطمأن على مغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته. وإذا ذكر من أسمائه: العليم الخبير السميع البصير؛ اطمأن على أن ما أصابه فإنما هو بقدر الله وعلمه. وإذا ذكر من أسمائه: القادر المنتقم الجبار؛ اطمأن على قدرة الله تعالى على الانتقام من المتجبرين ورد كيد المعتدين ودفع الظالمين.
وهكذا فالعيش مع أسماء الله وصفاته يكسب القلب طمأنينة ويقينا، وينزل على النفس بردا وسلاما. ويكتمل اليقين القلبي بالتغلب على الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد أن يضل الإنسان، وأن يوسوس له ويزعزع إيمانه ويقينه في ربه.


وقد أخبرنا صلى الله تعالى عليه و سلمأن ذكر الله تعالى هو من الأسلحة الفتاكة لمواجهة الشيطان؛ حيث قال: إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس (رواه الحافظ الموصلي). إذن فحياة القلب الذي ينصلح الجسد بصلاحه ويفسد بفساده متحققة بذكر الله، والتفكر في أسمائه وصفاته، والعيش في رحابه.
ثم نأتي إلى نوع آخر من الحياة في رحاب الذكر؛ ألا وهو حياة اللسان. وتتمثل هذه الحياة في الوصية الغالية التي وصى بها الحبيب صلى الله تعالى عليه و سلمأحد أصحابه قائلا: لا يزال لسانك رطبا بذكر الله (رواه الترمذي)، وقال صلى الله تعالى عليه و سلم: أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله (رواه ابن حبان والطبراني عن معاذ).
والرطوبة في الزرع علامة على النضارة والاخضرار والحياة، ورطوبة اللسان علامة على استمرار مقومات الحياة له، وعكس الرطوبة اليبس والجمود، وهو يعني التحجر والموت والقساوة.
ومن مظاهر الحياة في رحاب الذكر حياة العينين، وعلامة هذه الحياة الدمع من خشية الله. كما ذكر صلى الله تعالى عليه و سلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
قال القرطبي: "وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له؛ ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه".
وقال بعض أهل العلم: "من رأى مبتلى فدمعت عيناه فهو من الذاكرين الله؛ لأن من المبتلين إذا رآهم المؤمن تدمع عيناه؛ لأنه يذكر نعمة الله عليه فهذا كأنه ذكر الله بلسانه".
وقال أحد العارفين: "المؤمن يذكر الله تعالى بكلِّه؛ لأنه يذكر الله بقلبه فتسكن جميع جوارحه إلى ذكره؛ فلا يبقى منه عضو إلا وهو ذاكر في المعنى، فإذا امتدت يده إلى شيء ذكر الله فكف يده عما نهى الله عنه. وإذا سعت قدمه إلى شيء ذكر الله فغض بصره عن محارم الله. وكذلك سمعه ولسانه وجوارحه مصونة بمراقبة الله تعالى، ومراعاة أمر الله، والحياء من نظر الله؛ فهذا هو الذكر الكثير الذي أشار الله إليه بقوله سبحانه
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا.
ما بعده ذكر
المتعارف عليه في دنيا الناس أن الفقير هو الذي يذكر الغني، والضعيف يذكر القوي. ولكن مع الله تعالى الأمر مختلف؛ فهو سبحانه يعامل عبيده من باب الكرم والفضل. فنجده سبحانه يخبرنا أنه يذكر من يذكره. بل ويذكره في ملأ خير من ملئه، وهذا منتهى التفضل والمن.
يقول تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، قال الحسن البصري في معناها: "قال: فاذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي"، وقال سعيد بن جبير: "فاذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ورحمتي".
فيا له من شرف وفضل؛ أن يذكر الربُّ العظيمُ العبدَ الضعيف، أن يذكر الربُّ القويُّ العبدَ الضعيفَ، أن يذكر الربُّ الغنيُّ العبدَ الفقيرَ. إنه ذكر ما بعده ذكر؛ فاذكروني بالتذلل أذكركم بالتفضل. اذكروني بالأسحار أذكركم بالليل والنهار. اذكروني بالجهد أذكركم بالجود. اذكروني بالثناء أذكركم بالعطاء. اذكروني بالندم أذكركم بالكرم. اذكروني في دار الفناء أذكركم في دار البقاء. اذكروني في دار المحنة أذكركم في دار النعمة. اذكروني في دار الشقاء أذكركم في دار النعماء.
يقول يحيى بن معاذ: "يا غفول يا جهول، لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك مولاك لمِتَّ شوقًا إلى مولاك". ويبلغ الكرم منتهاه ويبلغ التفضل ذروته، حين يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بقول رب العزة سبحانه وتعالى: يا ابن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيت إليك أهرول (رواه أحمد).
ولكن الإنسان من طبعه الغفلة والنسيان. وما أتعسه إذا نسي ربه؛ فيكون الجزاء من جنس العمل كما أخبر تعالى نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ؛ وما أقساها عقوبة! وما أشده جزاء! فيا شقاء من نسيه الله؛ فلن يكون له ذكر في الأرض ولا في الملأ الأعلى؛ فهو من الضائعين في الدنيا والآخرة.
ولذلك قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى؛ فنسيان آيات الله في الدنيا سبب لنسيان العبد في الآخرة. والأشد من ذلك أن يُنسي اللهُ العبدَ نفسه ؛ ولذلك حذر سبحانه وتعالى عباده فقال: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ.


التصّوف الإسلامي، مفهومه وأصوله

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتبر التصوف الإسلامي جزءا أساسيا في تراثنا العربي الإسلامي حيث تبوأ مكانا هاما في الفكر العربي الإسلامي، والاهتمام بالتصوف قديم، تناوله المؤرخون والعلماء العرب والمسلمون ؛ (كالطوسي، والكلاباذي، والقشيري وغيرهم)، كما ألف فيه الفلاسفة كابن سينا والغزالي وابن خلدون، وتجادل فيه الفقهاء وعلماء الكلام إضافة إلى جهود المستشرقين أمثال ماسينيوس ونيكلسون وغيرهما.
ولم يتفق هؤلاء على رأي سواء تعلق الأمر بحدوده أو أصوله فاختلفت الآراء والمشارب حوله. فالتصوف ليس ظاهرة إسلامية خاصة بل إن جذوره وعروقه لتمتد في أي فكر ديني عموما، حتى إن كثيرا من الدارسين ربطه بأصول غير إسلامية كالمسيحية والهندية والفارسية والفلسفة اليونانية. ورأي آخر يرفض هذه الصلات جملة وتفصيلا ويرده إلى أصوله الإسلامية ومنابعه الأولى (القرآن والسنة).
إذن نريد بهذه المداخلة أن نبرز أبعاد التصوف التاريخية والمصادر التي استقى منها عن طريق التأثير والتأثر الذي انعكس على الأدب الديني الصوفي، فكما هو معلوم إن التصوف تميز بطابعه الأدبي الجمالي والوجداني في أسمى صوره من خلال شعراء الحب الإلهي والإشراق ووحدة الوجود.
ولنصل إلى معرفة أصل التصوف ونشأته تعرضت لمعنى كلمة (تصوف - صوفي - صوفية).
مفهوم التصوف : تعددت التعاريف في حد التصوف ورسمه نورد بعضا منها وإن كانت بلا حصر: لفظ تصوف مشتق من اسمه صوفي وهي مشتقة من الصفاء فجعلوا منه (صوفي) فعلا مبنيا للمجهول من صافى، وقلب صوفي تجنبا للثقل 1.
ويذهب بعض المستشرقين أن كلمة صوفي مأخوذة من (صوفيا) اليونانية بمعنى الحكمة وعندما فلسفت العرب عبادتهم حرفوا الكلمة وأطلقوها على رجال التعبد والفلسفة الروحية، أو مأخوذة من (ثيوصوفيا) بمعنى الإشراق أو محب الحكمة الإلهية ووافق هذا الرأي المستشرقين نولدكه وفون هارمر2 ويرد الإمام القشيري على ذلك بقوله: "إنه ليس يشهد لهذا الاسم صوفي من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر فبه أنه كاللقب."3
وهناك من نسب الكلمة إلى الصوف، للبسهم الصوف، أو نسبة إلى أهل الصفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأن المتصوفة كانوا في الصف الأول بين يدي الله تعالى. وهناك من ذهب إلى أصل الكلمة ونسبها إلى رجل زاهد متعبد في الجاهلية كان يلقب بـ (صوفة) ولسمه هو الغوث بن بركان أو في رواية الغوث بن مر كما أشار الزمخشري في أساس البلاغة والفيروز آبادي في قاموسه المحيط إلى أن قوما في الجاهلية سموا بهذا الاسم وكانوا يعبدون الله في الكعبة ومن تشبه بهم سمي صوفي. 4 ويعتبر هذا دليلا على أن النسك كان مذهبا معروفا في الجاهلية ومنهم نشأت طبقة المتحنفين مثل ورقة بن نوفل.
ويعتبر الجاحظ أول من استعمل لفظ صوفي عندما تكلم عن النساك وأن أبا هاشم الكوفي أول من لبس الصوف وأطلق عليه متصوفا لزهده في الدنيا. 5 وهذا دليل على أن هذا الاسم قديم وقيل : "لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية."6 فبذور التصوف الإسلامي ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري متمثلة في هيئة زهد نتيجة ما حدث في العالم الإسلامي من ترف وملذات. ثم تطور في القرنين الثالث والرابع وشاع مصطلح التصوف وتداوله كثير من العلماء والفقهاء والمتصوفة وأعطوه معان متعددة منها :
قال الجنيد : "التصوف أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم مع قوم كرام."7 ويعرفه أيضا : "هو استرسال النفس مع الله على ما يريد."8
وقال علي بن عبد الرحمان القناد : "هو نشر مقام واتصال بدوام."9
وقال بشر بن الحارث: " الصوفي من صفا قلبه لله." 10 والصوفي أيضا من: "اختاره الحق لنفسه فصافاه وعن نفسه برّأه".11 إذن فالصوفية هم أهل الباطن، وأمناء الله في الأرض يرون بنور الله.
وعلم التصوف اتجاه جديد يعبر عن العاطفة الدينية في صفائها ونقائها وهو الجانب الروحي الذي يعتمد على منطق الرؤيا والإشراق والمحبة، يكشف الإنسان فيه البعد المتعالي ليتحول إلى إنسان كامل فهو يحاول لكشف حكمة الله في الحياة وتمتع القلب والروح بلذة المشاهدة. وقد تطور التصوف من بداية القرن الثالث إلى الثامن وكثرت الاصطلاحات فيه والمذاهب وأدخلت عليه التغيرات والظواهر من حيث ترتيب المقامات والأحوال ونظام السلوك والآداب، فانعكس ذلك على أدب التصوف شعرا ونثرا ومن أشهر أعلامه (رابعة العدوية، ذو النون المصري (ت 245 هـ)، السهروردي الشامي، ابن الفارض، ابن عربي... الخ).12
تتبين إذن أن التصوف بدأ زهدا وتطور ليصبح بهذا الشكل خاصة في الأدب الذي جاء متأثرا بكثير من أفكار الثقافات الأجنبية التي امتزجت بالفكر العربي عن طريق الفتوحات الإسلامية وازدهار حركة الترجمة.
الأصول الدينية والتصوف
الديانة الفارسية والهندية :
من الباحثين من يرد التصوف إلى أصول الديانة الفارسية التي ظهرت بخرسان حيث تلاقت الديانات والثقافات الشرقية وبعد دخول أهلها الإسلام صبغت بعض المبادئ الإسلامية بالصبغة الصوفية القديمة 13 ويرى المستشرق نيكلسون:"التصوف قد يكون عن تأثيرات خارجية غير إسلامية كالبوذية وأنه ليس في القرآن أصل للتفسير الصوفي"14


والديانة الفارسية هي ديانة زرادشتية انتشرت في إيران والمدن المجاورة لها وأصبح لها رجـال دين هم طبقة الكهنة وجمعـت تعاليمها في كتاب يسمى "أبستاق" 15 ولما انتشر الإسلام بفارس اعتنق أهلها الإسلام وقضى على هده الديانة.
وجوهرها أنها تؤمن بوجود إله أعظم عالم للماضي والحاضر وهو خالق الخلق ويخاطب زرادشت الإله كصديق حميم ويمدحه حتى الموت، كما تعتقد هذه الديانة أن الخلاص من القيود المادية إلى الحياة الروحية لا يكون إلا بالطهارة الخالصة عن طريق التحرر النهائي من الجسد وقيوده 16 ويرد تأثير هذه الديانة على التصوف إلى دور الفرس في الدولة العباسية واشتغال رجالها في الدواوين والوزارات فنقلوا بعض أفكارهم. ولكن الرأي المعارض يرى أن هذا ليس دليل قطعي لأن الدولة المغلوبة تتأثر بالغالبة. والمنبع الأصلي للصوفية هو الإسلام.17
أما بالنسبة للديانة الهندية فقد تعددت الديانات في الهند منذ القدم فعبدوا الأوثان (حيوانات، شمس) وعبادتهم "لبترا" معبود مقدس تقدم له الهدايا. وجوهر هذه الديانة الإيمان بعالم الأموات الذي يؤثر في الكون.18
ثم بعد مراحل تاريخية ظهرت ديانة جديدة هي البوهمية. وانقسم معتنقوها قسمين، قسم موحد وقسم وثني. والنفس عند البوهمية هي جوهر الحياة خالدة صافية وإذا اتصلت بالجسد تغيرت إلى الكدر وهي خالدة تنتقل من جسد إلى آخر وهذا ما يسمى بتناسخ الأرواح، وظلت حتى ظهور "بوذا" الذي أوجد الديانة البوذية وكان خبيرا بالحياة وأسرارها يهدف إلى الخلاص من متاعب الحياة وآلامها وعلى الإنسان الذي تصبو نفسه إلى السعادة " النرفانا" أن يصل إلى الفناء وذلك بالتحرر من القلق. وكل التعليمات البوذية تدعو إلى التأمل والتركيز الباطني 19، فهذا يؤدي في رأيهم إلى خلق ملكات روحية. ووجه التلاقي في الصوفية الإسلامية مع الديانة البوذية هو في حالة الفناء عند الصوفية التي توازي النرفانا وفكرة الحلول التي توازي التناسخ.20
- الحلول : "كون أحد الجسمين طرفا للآخر كحلول الماء في الإناء."21
- الإتحاد : " تصير الذاتين واحدة وهو حال وشهود ووجود ."22
- الفناء : "هو أن يفنى عنه الحظوظ، أي أن يفنى عما له ويبقى بما لله، أي بقاء في تعظيم الله وفناء في تعظيم ما سوى الله ."23
ويرى البيروني أن الصوفية أخذوا من فكرة التناسخ حين قالوا : "الدنيا نفس نائمة ونفس يقظة."24 يرى المعارضون أن هذه الحجج غير كافية وليس التناسخ يشبه الفناء لأن التناسخ معناه حلول الأرواح من جسد لآخر أما الفناء فعرفناه آنفا.
2- الديانة اليهودية والمسيحية :
تأثر اليهود بالزرادشتية نتيجة الأسر والسبي في باب (586 ق م) وعاشوا تحت الحكم الفارسي ثم صاروا رعايا الإمبراطورية المقدونية بالتبعية.25
يرى جولد تسهير أن الصوفية تأثرت باليهودية مستدلا بدخول بعض اليهود الإسلام ووضعهم لكثير من الأحاديث النبوية (الإسرائليات) وأن نظرية التشبيه والتجسيم لدى اليهود تشبه نظرية الاتحاد والحلول لدى الفلسفة الإسلامية 26 ويقول الشهرستاني : "وجدوا التوراة مملوءة بالمشابهات مثل الصورة والمشافهة والتكلم جهرا والنزول من طور سناء انتقالا والاستواء على العرش استواء."27 وينقض بعضهم هذه الأقوال بأن الاستواء والتكلم جهرا والتجسيم ليس من أفكار الصوفية فهذا دخيل عليها وهناك فرق بين الفلسفة والتصوف.28
أما بالنسبة للمسيحية فقد نقلت أفكار الرهبنة والزهد إلى العرب نتيجة التجارة يقول المستشرق مركس : "إن التصوف الإسلامي مأخوذ من رهبانية الشام خاضع للروحانية المسيحية."29 كما يرى نيكلسون أن المتصوفة تشبهوا برهبان النصارى في لبس الصوف ووافقه ماسينيوس واعتبر التصوف دخيل على الإسلام بدليل اختلافهم مع مذاهب أهل السنة.30
إن الفرق بين الرهبنة والتصوف ؛ أن التصوف لا يلجأ إلى المجاهدة البدنية والنفسية كما هي عند الرهبنة المسيحية من تعذيب للبدن وانقطاع عن العالم، بل المجاهدة الصوفية نفسية من صبر وصلاة وصوم، والقرآن يشرح التصوف بآياته الداعية إلى التقوى والإخلاص والمعاملات... الخ 31
إن موضوع الرهبنة وطبيعة السيد المسيح وعلاقته بالتصوف، تظهر في أن الرهبنة رفضت كل شيء من جانب قيصر ترقبا لملكوت الله، فكثر النساك نتيجة الاضطهاد الديني. وجوهر الرهبنة هو التحرر المطلق من كل شيء ورفض الماديات.32
3- الفلسفة اليونانية وأثرها على التصوف :
يقول رينولد صاحب كتاب التصوف : " لكني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناه الدقيق استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي ولزم أن نعتبره وليد اتحاد الفكر اليوناني والديانة الشرقية أو بعبارة أخرى وليد اتحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والديانة المسيحية." 33
لقد ازدهرت الترجمة في العصر العباسي وبصم الفكر الإغريقي طابعه على الثقافة العربية الإسلامية وأثرت على تعاليم المتكلمين كما أثرت الأفلاطونية الحديثة على الصوفية.
ويدور مذهب أفلاطون حول الله والنفس والعقل ؛ فالله جوهر المذهب وهو المحبوب المبدع الذي تشتاق إليه الصور العليا وهو قديم لا يتغير وأن الجواهر العقلية قد فاضت وتفاضلت مراتبها نتيجة اختلافها قربا أو بعدا من النور الأول الذي فاضت منه. والنفس جوهر كريم وهي نقطة تدور حول العقل، والعقل جزء يهيم باشتياق إلى الله والنور الأول. وحكماء هم اللذين إذا أرادوا الحكمة تشوقت نفوسهم إلى صانعها الحكيم ومن هنا قيل إن الله هو المعشوق الأول ذو جمال مطلق. 34 والصوفي أيضا يريد هذا الجذب ليحقق ذاته في الله.
أما الأفلاطونية الحديثة زعيمها هو أفلوطين (204 - 261 م) وهو صاحب المذهب الإسكندري، يذهب إلى أن الله هو الأول والآخر منه يصدر كل شيء، وأن الاتصال بالله والفناء فيه هو الهدف الحقيقي وهو غير متناه، منزه عن كل صفة، أسمى من الجمال والحقيقة والخير، فالعالم فيض من الله ولم يخلقه لأن الخلق يتطلب الإرادة والشعور.35
إن مبادئ هذه الأفلاطونية نجدها عند المتصوفة أمثال ابن عربي وابن الفارض والحلاج والسهروردي وغيرهم ممن تغنى بالحب الإلهي، والسكر الروحي، ووحدة الوجود والإشراق. فالحب الصوفي هو حب فلسفي يهيم بالجمال ليصل إلى معانيه الروحية تأثر بالحب والجمال عند أفلاطون.
ويتفق أفلوطين مع الصوفيين المسلمين في رياضة النفس والاتصال بالله مع اشتراط الذهول لحدوث ذلك بمداومة التأمل ليتم الاتصال بالعلة الأولى (الله) وتخسر وجودها الجزئي وتشعر بالسعادة لأنها أصبحت شيئا واحدا مع الله 36. كما يتفق معهم في النظرة الشمولية ونظرية الفيض والإشراق والمعرفة والفكر ومع ذلك فالخلاف واضح لكون الفلسفة اليونانية وثنية تؤمن بتعدد الآلهة. والتناسخ والاتصال سلبي غير شخصي عند أفلوطين والهنود وإيجابي شخصي عند المسلمين.36
ومن نماذج هذا التأثر بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة، عرضنا لبعض شعراء التصوف في الحب الإلهي ووحدة الوجود والإشراق. فابن عربي (563 هـ - 638 هـ) خرج بالتصوف إلى شبه فلسفة في شعره وفكره ويذهب إلى أن التصوف تشبيه بالله، والوجود في جوهره واحد ووجود الأشياء جميعها إنما هو الله "ما ثم إلاّ هو وما هو إلاّ هو."37 فوحدة الوجود عنده ليست حلولا على الحقيقة لأن الحلول نزول الإله في شخص من الأشخاص والصوفية ليس هذا اعتقادهم، والاتحاد هو شيوع الألوهية في العالم كله. وابن عبي يريد إثبات شخصية الإنسان في الوجود الإله بأسلوب وجداني رمزي، 38 حيث يقول : 39
إذَا أبْصَرتْ عَنِي جَمَالَ وُجُودِهِ
وإنْ لَمْ أَكُنْ أُبْصِرُ سِوَايَ فَإِنني
أَكُونُ بِهِ فِي الحَالِ صَاحِبَ أَنْوَارِ
لِعَالِمِ وَقْتِي بِي وصَاحِـبَ أسْرَارِ
لقد تحول الحب الإلهي عنده إلى فكرة وحدة الوجود، فليست في الكون حركة ألاّ وهي"حبّية "40 والمحبة وصل بين الإنسان وخالقه وبها يدرك بعده اللامتناهي، الإلهي.
كما انقلب الحب الإلهي عند الحلاج (309 هـ) إلى مذهب الحلول الذي أثار حوله الكثير من الشبهة، ويطعن السراج الطوسي في ذلك أنه دخل في أوصاف الحق وأضاف معنى يؤدي إلى الحلول كقوله : "أنا الحق" 41. ويقول أيضا : 42
طاح وجودي في شهودي وغبت عن وجود شهودي ما حيا غير مثبت
فهو يعتمد التصريح دون التلميح بالرمز مبينا وحدة الوجود حيث تتوحد الذات والموضوع، ويتوحد الخالق والمخلوق وتصبح المعرفة إشراقا والوجود محبة.
عرف ابن الفارض (576 هـ - 632 هـ) بحبه الإلهي وتائيته الكبرى تبين مذهبه :43
وعن مذهبي في الحب ما لي مذهب
ولي نـفس حــر بذلي لهـا على
وإن ملت يوما عنه فارقت ملّتي
تسليك ما فوق المنى ما تسلـت
إن حب ابن الفارض حب حتى الفناء وبطلان الشعور والحواس فبفقد المخلوق ويوجد الخالق ويفنى الإنسان ليبقى الله، وتبطل مفردات الموجودات لتحقق ذات الوجود. كما توسل بحبه الإلهي بالخمرة المقدسة والسكر الروحي معتمدا الرمز والمجـاز الذي يعطي أسبقية زمنية ومنطقية للمعنى والفكـر والنفس حيـث يقول :44
وفي الصحو بعد المحو لم أك غيره
وما زلـت إياهـا وإياي ولم تـزل
وذاتي بذاتي إذ تجلت تحلت
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبّت
لقد ترجمت التائية إلى الفرنسية والأسبانية كما تأثر دانتي الإيطالي بابن عربي في الكوميديا الإلهية وما استقاه من الفتوحات المكية من معان رمزية لمشاهد القيامة والآخرة.45
أما بالنسبة للإشراق عند السهروردي الشامي المقتول (539 هـ - 587 هـ) صاحب مؤلفات ؛ "مجموعة في الحكمة الإلهية، عوارف المعارف، هياكل النور".46
الإشراق مبدأ من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة التي ترى أن الله نور الأنوار ومصدر جميع الكائنات. وهو عند الصوفية ظهور الأنوار العقلية وفيضانها بالإشراقات على الأنفس عند تجردها، وهذه الحكمة الإشراقية نجدها في قصة حي ابن يقظان وكيف ترقى النفس لتصل إلى الله.47 ومن اصطلاحاته ؛ التجلّي، المكاشفة، الذوق، الشاهد، المشاهدة، وما تتركه من أثر في القلب والروح. فالتجلّي ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، والذوق أول التجلّيات.48
يقول الصوفي السهروردي في دعائه : "الإشراق سبيلك اللهمّ ونحن عبيدك"، "لأنّك أنت المبدأ الأول والغاية القصوى".49 فالإشراق هو سبيله إلى الفيض العلوي لمن امتلأ قلبه حكمة فهو أحبها ووضع لها شروطا للوصول إليها، كالتجرد والانقطاع عن الدنيا، ومشاهدة الأنوار الإلهية. كما قرن الفلسفة بالتصوف وسمّى الفيلسوف المتصوف بالحكيم المتأله وهو الذي يتذوق الحكمة، وعمد السهروردي إلى القصص في كتابه "التلويحات" ليبين رؤياه الصوفية حيث يرد كل شيء إلى نور الله وفيضه.50 وتحدث الصوفيون عن الإشراق بذكر رحلاتهم الروحية مع الذات الإلهية والروح القدس. وعرف أصحاب هذا المذهب بالحكمة المشرقية وهي تعبير عن تلاميذ السهروردي، كما نلفيها عند ابن سينا والفارابي وابن رشد.51
وختاما يجدر القول أن التصوف الإسلامي هو خلاصة الحكمة في الآداب الإسلامية والفضائل النبوية وهو زبدة الدراسات النفسية والقلبية في الفكر الإسلامي ويعتبر ثروة وثورة فكرية وثقافية وأدبية ضخمة لما أثاره من خصومات ومجادلات من جهة ومن إعجاب وتأثر من جهة أخرى. كما أن الصوفية هم اللذين ارتفعوا بالأدب وجعلوه سلاحا نبيلا للدعوة إلى الله، فهو أدب صادق يصدر عن تجربة حية عاشها الصوفيون بين الحلم واليقظة وبين الأمل والألم، فهو أدب يفيض حبا وإشراقا وسموّا وإبداعا، والأديب الصوفي يتسامى كمالا وطهرا بتعابيره الإيمانية ونشواه الوجدانية وحبه للذات الإلهية.
ونشير في آخر المطاف إلى أن أصول التصوف ومصادره الأولى إسلامية من القرآن والسنّة، ويطعن كثير من الباحثين في وجود علاقة بين التصوف والديانات القديمة أو الفلسفة اليونانية، وإن وجدت بعض الأفكار الأفلاطونية فهي تشبه في العوارض والعموميات لا في الخصائص والجوهر، خاصة في الحب الإلهي الذي انطوت معانيه في آيات قرآنية كثير، فأصحاب هذا الرأي يردون التصوف إلى أصوله العربية ؛ فالغزل العذري تطور إلى الغزل الإلهي، والوصف القديم تطور إلى وصف الذات الإلهية، والمدح العربي تطور إلى المدائح النبوية.

الهوامش :
1- انظر، السراج الطوسي : اللمع في التصوف، أرنولد نيبكسون، مطبعة بريل 1914، ص 26-27.
2- انظر، محمد عبد المنعم الخفاجي : الأدب في التراث الصوفي، دار غريب للطباعة، القاهرة 1938، ص 23-24
3- انظر، القشيري : الرسالة القشيرية، ص 126
4- انظر، زكي مبارك : التصوف الإسلامي، مطبعة الرسالة، القاهرة، 1938، ص 67
5- انظر، الكلابادي : التعرف على مذهب أهل التصوف، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993، ص 09
6- وانظر، اللمع، ص 26-27
7- 8- 9- المصدر نفسه، ص 25.
10- التعرف على مذهب أهل التصوف، ص 10
11- نظر، التعرف، ص 11 ؛ انظر، اللمع، ص 23-24
12- انظر، الأدب في التراث الصوفي، ص 53-55
13- انظر، عبد الحكيم عبد الغني قاسم، المذاهب الصوفية ومدارسها، مكتبة مدبولي القاهرة، ط1، 1989-1991، ص 28
14- 20- انظر، المرجع نفسه، ص 28 - 37.
21- انظر، أنور فؤاد أبو خزام : معجم المصطلحات الصوفية، مكتبة لبنان، ط1، 1993، ص 27.
22- انظر، المرجع نفسه، ص 38.
23- التعرف، ص 142-144. انظر، معجم المصطلحات الصوفية، ص 137.
24- 28- انظر، المذاهب الصوفية، ص 32 - 33.
29- انظر، الأدب في التراث الصوفي، ص 35-36.
30- انظر، أبو الفيض المنوفي : المدخل إلى التصوف الإسلامي، الدار القومية، القاهرة، ص 31.
31- 34- المرجع نفسه، ص 28 - 44.
35- انظر، الأدب في التراث الصوفي، ص 206 - 207.
36- انظر، عمر فروخ : التصوف في الإسلام، بيروت 1947، ص 32 وما بعدها.
37- ابن عربي : فصوص الحكم، تحقيق أبي العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، ص 110.
38- انظر، الأدب في التراث الصوفي، ص 190.
39- ابن عربي : ديوان ابن عربي، شرح وتقديم نواف الجراح، دار صادر، بيروت، ط1، 1999، ص 231.
40- انظر، المرجع نفسه، ص 190.
41- اللمع، ص 433.
42- 47- المصدر نفسه، ص 128 وما بعدها.
48- معجم المصطلحات الصوفية، ص 50.
49- الأدب في التراث الصوفي، ص 128.
50- 51- انظر، المرجع نفسه، ص 130-131.



مقومات الشيخ المرشد وآداب المريد

مقومات الشيخ المرشد وآداب المريد 
إن الشيخ المرشد على الحقيقة هو الداعى إلى الله على بصيرة بطريق الإرث المحمدى والتبعية المحمدية التى ذكرها الحق تعالى فى قوله : (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)
وقد أصل الإمام العارف  السهروردى قدس الله سره  فى عوارف المعارف – لشرعية الرتب " المشيخة "  فى طريق الله تعالى وبيان حقيقتها بقوله : ورد فى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذى نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم : إن أحب عباد الله تعالى إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون على الأرض بالنصيحة  . وهذا الذى ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هورتبة المشيخة والدعوة إلى الله تعالى ؟ لأن الشيخ يحبب الله إلى عباده حقيقة ، ويحبب عباد الله إلى الله ورتبة " المشيخة "  من أعلى الرتب فى طريق الصوفية ، ونيابة النبوة فى الدعاء إلى الله . فأما وجه كون الشيخ يحبب الله إلى عباده ، فلأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه الله تعالى : قال الله تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) ووجه كونه يحبب عباد الله تعالى إليه : أنه يسلك بالمريد طريق التزكية ، وإذا تزكت النفس انجلت مرأة القلب . وانعكست فيه أنوار العظمة الإلهية ، ولاح فيه جمال التوحيد وانجذبت أحداق البصيرة إلى مطالعة أنوار جلال القدم ورؤية الكمال الأزلي ، فأحب العبد ربه لا محالة ، وذلك ميراث التزكية ، قال الله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9 ) وفلاحها بالظفر بمعرفة الله تعالى وأيضا : مرأة القلب إذا انجلت لاحت فيها الدنيا بقبحها وحقيقتها ، وماهيتها ، ولاحت الآخرة ونفائسها بكنهها وغايتها، فتنكشف للبصيرة حقيقة الدارين وحاصل المنزلين ، فيحب العبد الباقى ويزهد فى الفانى ، فتظهر فائدة التزكية وجدد المشيخة والتربية  فالشيخ من جنود الله تعالى : " يرشد به المريدين ويهدى به الطالبين "  وهكذا يخلص لنا من تقرير الإمام السهروردى رضى الله عنه لرتبة المشيخة :ولا ريب أن هذه المقومات وما سيتبعها ينبنى عليها فرضية اتخاذ الشيخ فى سلوك طريق الله كما يؤكده قول الإمام عبدالقادر الجيلانى قدس الله سره : "لابد لكل مريد لله من شيخ ، فالمشايخ هم الطريق إلى الله تعالى والأدلاء عليه ، والباب يدخل منه إليه

ولقد أوضح الإمام المارف سيدى عبدالعزيز الدباغ رضى الله عنه المقصود من التربية التى لابد فيها من الشيخ المرشد إذ قال :إن المقصود من التربية هو تصفية الذات وتطهيرها من رعونتها حتى تطيق حمل السر(أى سر المعرفة لم وليس ذلك  بإزالة الظلام منها ، وقطع  الباطل عن وجهتها  ثم بين - رضوان الله عليه صفات ومقومات هذا الشيخ المربى  وقد قال صاحب الإبريز فى أول شرحه لهذه الأبيات رضوان الله عليه : " ولشيخ التربية علامات ظاهرة : وهى أن يكون سالم الصدر على الناس : ليس له فى  هذه الأمة عدو ، وأن يكون كريما : إذا طلبت منه أعطاك ، وأن يحب من أساء إليه ، وأن يففل عن خطايا المريدين - أى لا يعاجلهم بالعقوبة - ومن لم تكن له هذه العلامات فليس بشيخ  " وبقية شرحه للابيات المتقدمة حافل بجليل الفوائد لكن يحتاج إثباته هنا إلى الإطالة فمن رام البسط
فليرجع إليه فى محله  هذا وقد نوه الإمام القطب الربانى سيدى عبدالقادر الجيلانى قدس الله سره بأوصاف الشيخ المرشد حتى لا يفتر بأدعياء  " المشيخة " فقال : إذا لم يكن للشيغ خمس فوائد والا فدجال يقود إلى جهل عليم بأحكام  ظاهرا ويبحث عن علم الحقيقة من أصل ويظهر لوراد بالبشروالقرى ويخضع للسكين بالقول والفعل فهذا هو الشيخ المعظم قدره عليم بأحكام الحرام من الحل يهذب طلاب الطريق ونفسه الشيخ المرشد يقول العارف الكبير السيد أبو الهدى الصيادى الرفاعى رضى الله عنه فى كتابه (العقد النضير فى آداب الشيخ والمريد لمن(وينبفى أن يتصف الشيخ المسلك بإثنتى عشرة صفة : صفتان من حضرة الله تعالى: وهما : الحلم والستر وصفتان من حضرة النبى صلى ألله عليه وسلم : وهما الرأفة والرحمة . وصفتان من حضرة الصديق الاكبر رضى الله عنه وهما الصدق والتصديق  وصفتان من حضرة الفاروق الأعظم رضى الله عنه وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وصفتان من حضرة عثمان ابن عفان ذى النورين رضى الله عنه وهما الحياء والتسليم  وصفتان من حضرة على الكرار رضى الله عنه وهما الزهد الأتم والشجاعة  ومتى اتصف الشيخ بهذه الأوصاف وتمكنت قدمه ، وذكت شيمه صح أن يكون قدوة فى الطريق  كذلك أثبت الإمام العارف النقشبندى سيدى ضياء الدين أحمد الكمشخانى  الخالدى فى موسوعته (جامع الأصول فى الأولياء وأنواعهم ) شروط الشيخ المرشد وعلاماته فقال قدس الله  مهذبة واعلم أنه يشترط فى المرشد وفى توصيف بديع لمقومات أن يكون عالما بما يحتاج إليه لمريدون من الفقه ، وعقائد التوحيد بقدر ما يزيل به الشبهة التى تعرض للمريد فى البداية  وأن يكون عالما بكمالات القلوب وآدابها ، وآفات النفوس أمراضها وكيفية حفظ صحتها على اعتدالها  وأن يكون رؤوفا رحيما بالمسلمين خصوصا بالمريدين . وأن يكون ناصحا لهم ؟ فينظر فى حال من يصحبه منهم ؟ إن رآه قابلا للسلوك سلكا وحسن له الطريق ، وعلى ترك الأسباب أعانه ، ولكل ما أمكنه إعطاؤه من المال وغيره ملكه ، وان رآه غير قابل لذلك رده إلى حرفته أو إلى تعاطى شئ من الأسباب هنالك ؟ فإن الله تعالى لا يحب العبد البطال . (ثم قال لم : ومن علامات المرشد الأمين : أن يستر ما اطلع عليه من عيوب المريدين . وأن يكون فى الحالة الوسطى فى جميع أحواله من جوع وشبع ونوم وسهر وقبض وبسط . والحالة الوسطى هى ما بين الإفراط والتفويط ، ولا يقدر عليها إلا الكمل من الرجال ، ولذا كان من اتصف بها صالحا للإرشاد بلا محال . وأن يكون قد استوى عنده المأكل والملابس . وأن يكون غنى النفس ، وحسن الخلق لا يفضب إلا لله ، وذا جاءه أحد يريد الإرشاد لا يكون فى وجها عابسا .  وينبغى أن يكون جلاله ممزوجا بجماله ، وغضبه ممزوجا برضاه ، وقهره ممزوجا بلطفه ، وصلنا الله بمنه وكرمه إلى تلك الصفات  ثم لما سئل رضى الله عنه عما يجب على الشيخ فى حق المريد قال : (يجب على الشيخ للمريد ثلاثة أشياء : التسليك فى البداية والتبليغ فى النهاية والحفظ فى الرعاية )  وقال قدس الله سره (وشروط الشيخ الذى يلقى المريد إليا نفسه خمسة : ذوق صريح وعلم صحيح وهمة عالية وجالة مرضية وبصيرة نافذة ..)  و هكذا تتجلى مقومات الشيخ المرشد من خلال أقوال أئمة شيوخ التربية الصوفية الراشدة وهى معايير يجب أن تراعى عند دخول المريد فى طريق السلوك إلى الله تعالى . وبالتعرف على هذه المقومات والأوصاف للشيخ المرشد ندرك لامحالة أن اتخاذ هذا الشيخ قدوة واماما مرشدا فى الطريق إلى الله تعالى ومزكيا للنفس ومربيا للروح وللقلب وموصلا للعبد إلى حضرة الله عز وجل أمر شرعى مطلوب ومرغوب ، وان من يعارض فى جواز» ومشروعيته لهو بمعزل عن إدراك الحقائق ، وغافل محجوب لا يبصر طريق التحرر من أسر النفوس وعلل القلب ورق الأكوان  فأما من أراد الله تعالى به صلاح النفس والقلب والروح فإنه ينشد لقاء هذا الشيخ والدخول فى دائرة تربيته ورعايته لينهض بتزكية نفسه ويجمعه على ربه تعالى ويكون حرصه على لقاء هذا الشيخ والتربية على يديه أكثر من حرصه على حياته ؟ لأنه مناط سعادته ومعقد صلاحه مع الله تعالى  وقد صرح أئمة التربية الصوفية بما يجب أن يتحقق فى مريد السلوك إلى الله تعالى من شروط وآداب حتى يرتقى فى مدارج السير والسلوك إلى ملك الملوك . فلنتعرف أولا على تعريف المريد لم كمصطلح صوفى ، وما معنن الإرادة فى عرف السادة الصوفية ؟ إن لفظ لم المريد) اسم فاعل مشتق من الإرادة وهى فى اللغة  بمعنى المشيئة والقصد والطلب ، ومعناها فى عرف الصوفية : طلب السلوك الر ملك الملوك . وقيلى هو صدق الوجهة إلى  تعالى بإفراد القصد إلى حضرة مولاه  وقيل هى : نهوض القلب فى طلب الحق سبحانه وتعالى ، وهى ألى منازل القاصدين إليه تعالى . و(المريد) فى اصطلاح السادة ألصوفية : هو الرامى بأول قصده إلى الله تعالى فلا يعرج عنه حتى يصل إليه . " وقيل : هو رجل يعمل بين الخوف والرجاء شاخصا إلى الحب مع صحببة الحياء . وقال الشيخ الاكبر سيدى محيى الدين بن عربى قدس الله سره  " المريد من انقطع إلى الله عن نظر واستبصار ، وتجرد عن إرادته إذا علم أنه ما يقع فى الوجود إلا ما يريده الله تعالئ لا ما يريده غيره ، فيمحو إرادته فى إرادته فلا يريد إلا ما يريده الحق ( وأما شروط المريد وأدابه : فقد أفرد لها أئمة التربية الصوفية مصنفات برأسها منها : (أداب المريدين ) للحنكيم الترمذى ، (أداب المريدين ) للعارف السهروردى و(الأنوار القدسية فى معرفة قواعد الصوفية ) للإمام الشعرانى وغير ذلك  كما تناولها الشيوخ العارفون فى أبواب وفصول فى كبار مصنفاتهم فى نحو (الرسالة القشيرية ) و(عوارف المعارف ) جامع الأصول فى الأولياء ونرصد هنا من أبرز هذه لشروط والآداب ما يلى: فمنها أولا : الصدق وخلاص النية فى الإرادة وطلب الشيخ المرشد المستجمع لمقومات المشيخة ا لإرشاد التى أوردنا أبرزها فيما ومنها ما ذكره صاحب العوارف  بقوله (ومن الأدب أن لا يدخل فى صخبة الشيخ إلا بعد علمه بأن الشيخ قيم بتأديبه وتهذيبه ، وأنه أقوم بالتأديب من غيره ، ومتى كان عند المريد تطلع إلى شيخ أخر : لا تصغر صحبته ، ولا ينفذ القول فيه ، ولا يستعد باطنه لسراية حال الشيخ إليه ، فإن المريد كلما أيقن تفرد الشيخ بالمشيخة عرف فضله ) (16) ومن ثم قال العارفون (إن المريد إذا عزم على الاقتداء بشيخه يلزمه أن يعتقد فيه الكمال  أى الكمال النسبى بالنسبة لباقى الشيوخ ومن أهم شروط المريد فى الاقتداء بشيخه قوة محبته له حتي يكون آحب إليه من نفسه : لأنه مناط سعادته وهو الذى يجمعه على ربه ، قال صاحب العوارف  والمحبة والتألف هو الواسطة بين المريد والشيخ ، وعلى قدر قوة المحبة تكون سراية الحالة ؟ لأن المحبة علامة التعارف ، والتعارف علامة الجنسية - أى المجانسة والجنسية جالبة للمريد حال الشيخ أو بعض حاله ومن شروط وأداب ، المريد مع شيخه ما ذكره العارف بالله ضياء  رضى الله عنه بقوله : (ويجب على المريد لشيخه ثلاثة أشياء : امتثال أمره ، وكتمان سره ، وتعظيم قدره لم  ومن شروط المريد مع شيخه أيضا ما جاء فى القرآن العظيم فى قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر على نبينا وعليهما الصلاة والسلام من قوله تعالى : (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (65) فقد ذكر سبحانه ثلاثة شروط يجب أن تتوافر في المريد مع شيخه هي الصبر والطاعة والتسليم  وذلك بعد أن ذكر مقومات الشيخ في قوله تعالي : ( قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) وهى التحقق بكمال العبودية لله تعالى ، والتحقق برحمة الولاية لله عز وجل ،وتحققه بالعلم اللدنى ، وهو الإلهام والكشف المباشر ، وبذا صرح القرآن العظيم بمشروعية تبعية المريد لشيخه بشروطها وبمقومات الشيخ وشروط الإرشاد  ألا فليتدبر أولوا الألباب . ومن الشروط أيضا : أنه يجب على المريد أن لا يعتقد فى شيخه العصمة فإن الشيخ – وان كان على أكمل الحالات  فليس بمعصوم ، ولا يعتقدها هوفى نفسه . ومن آداب المريد مع شيخه أن لا يكتم على الشيخ شيئا من حاله ومواهب الحق عنده وما يظهر له من كرامة واجابة ، ويكشف للشيخ من حاله ما يعلم الله تعالى منه ، وما يستحى من كشفه يذكره إيماء وتعريضا فإن المريد متى  ضميره على شئ لا يكشفه للشيخ تصريحا أو تعريضا يصير على باطنه منه عقدة فى الطريق ، وبالقول مع
الشيم تنحل العقدة وتزول  ومن أداب المريد أيضا : الصبر على امتحان الشيخ له عند أخذ الطريق ، قال سيدى الإمام عبدالوهاب الشعرانى رضى الله عنه - فى أداب المريد - (ومن شأنه إذا سافر لشيخ ليأخذ عنه الطريق فقابله الشيخ بالجفاء والتعبيس فى وجهه : أن يصبر ولا يتزلزل ، بل يجلس مطروح النفس على بابه حتى يرحمه شيخه ولو مكث على ذلك الجفاء سنه وأكثر لا يبرح عنه ؟ فإن الطريق عزيزة عند أهلها لا يجوز لهم الترخيص فيها لكل من ورد عليهم )  ومنها أيضا : أن يبادر لامتثال أمر شيخه ولا يتوقف على معرفة الدليل على ما أمره به ، فإن ذلك من أكبر قواطع الطريق فإن ملم الاستدلال إنما يكون للأشياخ والمجتهدين لا المقلدين (ه 2) ، وعماد التربية الاتباع للشيخ الذى هو متبحر فى الشريعة والحقيقة  ومن شأن المريد أن يقدم أمر شيخه على جميع أهويه نفسه ، فإذا أمره بتنظيف المستراح وخدمة الفقراء فى المطبخ وعداد الطعام رأى ذلك مقدما على كل ما يترجح عنده فعله ؟ لأن الشيخ أعرف منه بطريق  الترقى ومن شأن المريد جمع الهمة على قراءة الأوراد التى أمره بها شيخا ، فإن كل شيخ جعل الله تعالى مدده وسره وسر طريقته فى أوراده التى يأمر بها المريد ومن أهم أداب المريد : عدم الاعتراض على شيخه فى تربية مريديه لأنه مجتهد فى هذا الباب عن علم واختصاص وخمر ة  قال العلامة ابن حجر الهيثمى رضى الله عنه لاومن فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر فى أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته وأنه لا ينتج قط ، ومن ثم قالوا  " من قال لشيخه لم لا يفلح ابدا " . وإذا ما تحقق المريد من هذه الشروط والاداب ارتقى الى مقام ( المراد ) فالمريد – عند السادة الصوفية – هو المبتدى ، والمراد هو المنتهى ، قال أبو على الكاتب إذا انقطع المريد الى الله تعالى بكليته أول ما يفتح الله تعالى الأستغناء عنه تعالى عمن سواه ، وتلك السعادة الأبدية .

أخلاق السادة الصوفية

يفصل السهروردي بيان أن ما دعا اليه الصوفية من أخلاق هي نفس ما تخلق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه ودعا إليه في أحاديثه ومن ذلك:
1- أن من أخلاق الصوفية: التواضع وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض،»وكان من تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب دعوة الحر والعبد ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها ويأكلها ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
2- ومن أخلاقهم المداراة واحتمال الأذى من الخلق: قال رسول الهل صلى الله عليه وآله وسلم : «المؤمن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم».
3- ومن أخلاقهم الإيثار والمواساة ويحملهم على ذلك فرط الشفقة والرحمة طبعا وقوة اليقين شرعا() وفي هذا المعنى نزلة الآية: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾، ويؤثرون بالموجود ويصبرون على المفقود.
4- ومن أخلاقهم التجاوز والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة، وقد روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت : يا جبريل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس »

5- ومن أخلاقهم البشر وطلاقة الوجه، فالصوفي بكاؤه في خلوته وبشره وطلاقة وجهه مع الناس
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق
6- ومن أخلاقه من غير افتقار وترك الادخار، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى خادمه عن الادخار قائلا: «ألن أنهك أن تخبئ شيئا لغد؟ فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد» وورد أيضا أنه قال : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.»
7- ومن أخرقهم التودد والتآلف والموافقة مع الإخوان وترك المخالفة وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»
8- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم غيرتهم لله تعالى: إذا انتهكت حرماته نصرة للشريعة المطهرة فكانوا لا يفعلون فعلا ولا يصحبون أحدا إلا إذا علموا رضا الله تعالى فيه، فلا يحبون أحدا ولا يبغضونه لعلة دنيوية.
• وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما يقول: لا يصطحب اثنان على غير طاعة الله إلا تفرقا على غير طاعة الله.
• وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: إذا أحدث الرجل حدثا ولم يبغضه من زعم أنه أخوه فمحبته لغير الله إذ لو كانت لله لغضب على من عصاه.
• وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: من ادعى أنه يحب عبدا لله تعالى ولم يبغضه إذا عصى الله تعالى ففد كذب في دعواه أن يحبه لله.
• وقد كان مالك بن دينار رحمه الله تعالى لا يطرد الكلب إذا جلس بحذاءه ويقول: هو خير من قرين السوء (وكفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين).
• وكان أحمد بن حرب رحمه الله تعالى يقول: ليس شيء أنفع لقلب العبد من مخالطة الصالحين والنظر إلى أفعالهم وليس شيء أضر على القلب من مخالطة الفاسقين والنظر إلى أفعالهم.
9- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم قلة الضحك وعدم الفرح بشيء من الدنيا: بل كانوا ينقبضون بكل شيء حصل لهم من ملابسها ومراكبها ومناكحها عكس ما عليه أبناء الدنيا كل ذلك خوفا أن يكون من جملة ما عجل لهم من نعيم الآخرة وكيف يفرح بشيء من هو في السجن محبوس عن لقاء الله عز وجل فكما يحزن المحبوس عن داره وعياله ويتكدر كذلك يحزن أولياء الله تعالى على طول عمرهم وسجنهم في هذه الدار عن لقاء ربهم عز وجل.
• وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد بمصيبة لما يرى به من شدة الحزن والخوف.
• وكان الفضيل بن عياض رحمه الهل تعالى يقول: رب ضاحك وأكفانه قد خرجت من عند القصار
10- ومن أخرقهم رضي الله عنهم كثرة الخوف من الله تعالى أن يعذبهم على ما جنوه من مظالم نفوسهم ومالم العباد: ولو عود خلال لأحد أو إبرة يخيطون بها لاسيما إن كان أحدهم يتقل أعماله الصالحة في عينه فإنه يشتد خوفه وكربه لعدم أن يكون معه شيء من الحسنات يعطي منها الخصوم يوم القيامة ، وربما شح أحد المظلومين يوم القيامة فلا يرضى بجميع أعمال الظالم الصالحة في مظلمة واحدة من مال أو عرض أو لطمة.
وكان الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يقول: بلغنا أنه تاب كيال عن الكيل وأقبل على عبادة ربه عز وجل ، فلما مات رآه بعض أصحابه في منامه فقالوا له: ما فعل الله بك يا فلان؟ قال أحصى علي خمسة عشر قفيزا من أنواع الحبوب التي كنت أكتالها، فقال له : كيف ذلك؟ قال: كنت أغعفل عن تعاهد الكيل بالنقص من الغبار فيتراكم في قعره التراب، فكانت كل كيلة تنقص بقدر ما في القعر من التراب.
(وكان ميمون بن مهران رحه الله تعالى يقول: إن الرجل ليلعن نفسه في الصلاة ولا يشعر ، فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال يقرأ: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وهو قد ظلم نفسه بالمعاصي وظلم الناس بأخذ أموالهم والوقوع في أعراضهم).
• وكان أحمدبن حرب رحمه الله تعالى يقول: يخرج من الدنيا أقوام أغنياء من كثرة الحسنات فيأتون يوم القيامة مفاليس من أجل تبعات الناس.
• وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: لأن تلقى الله تعالى بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد.
11- ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم : كثرة الخوف من الله تعالى إذا ذكروا أهوال القيامة وكثرة الغشيان إذا سمعوا القرآن والذكر: وقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما قوله تعالى : ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ وكان وراءه حمران بن أعين فخر ميتا رضي الله عن.
12- ومن أخلاقهم رضي الهل تعالى عنهم: تقديم أعمال الآخرة دائما علىأعمال الدنيا: فيقدم أحدهم ورده بعد صلاة الصبح على سائر مهماته كما يقدم التهجد في الليلة الباردة على نومه تحت اللحاف وعلى ذلك درج السلف الصالح كلهم رضي الله عنهم فمن أصبح وهمته الدنيا فهو خارج عن طريقهم.
• وكان يونس بن عبيد رحمه الله تعالى يقول: من لم تكن عنده تسبيحة أو تهليلة واحدة خيرا من الدنيا وما فيها فهو ممن آثر الدنيا على آخرته.
• وكان سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: الدنيا ابنة إبليس فمن خطبها كثر تردد أبيها اليه ، فإن دخل بها أقام عنده بالكلية قلت المراد (بخطبته الدنيا) تمنيها، و (بالدخول بها) إمساكها أي إمساك الفاضل منها عن حاجته لغير غرض شرعي فعلم أن من أراد أن إبليس لا يسكن عنده مع تزويجه ابنته فقد رام المحال ولذلك كان يتوسوس في الصلاة والوضوء والنيات كلها كثير من الناس الذين يحبون الدنيا بقلوبهم.
13- ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم عدم غفلتهم عن ذكر الله تعالى نوعن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس جلسوه: عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يجلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم تره/ [أي : تبعة ونقصا] يوم القيامة».
وأيضا عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها
• وكان داود الطائي رحمه الله يقول: كل نفس تخرج من الدنيا عطشانة إلا نفس الذاكرين. وكان ثابت البناني رحمه الله تعالى يقول: (إني لأعرف متى يذكرني الله تعالى ، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا ذكرته سبحانه وتعالى ذكرني قال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾
• وكان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول: حادثوا القلوب بذكر الله فإنها سريعة الغفلة وكان وهب بن منبه رحمه الله تعالى يقول: واعجبا من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد
14- ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم دقة قلوبهم وكثرة بكائهم: على تفريطهم في حقوق الله تعالى لعل الله أن يرحمهم.
• وكان على هذا المقام الإمام أبوبكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وأبو الدرداء رضي الله عنهم.
15- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم نصح بعضهم بعضا: فكان الكبير لا يتكدر من نصح الصغير له ، وبالعكس.
وكان يحيى بن معاذ يقول: ما أمر الإنسان في هذه الدار ولو طال إلا كنفس واحد في جنب عيش الجنة، ومن ضيع نفسا واحدا يعيش به عيش الأبد إنه والله من الخاسرين.
16- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم شدة خوفهم من الله تعالى أن يختم لهم بسوء: فيكونوا من اللمحجوبين عنه في النار وكان أحدهم يأخذ في التفكير والحزن ححتى يغيب عن الحاضرين.
• وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: أكثر ما يسلب من الناس الإيمان عند الموت وبكى سفيان الثوري مرة حتى غشي عليه فقيل له: علام تبكي؟ فقال: بكينا على الذنوب زمانا ، ونحن الآن نبكي على الإسلام – أي : خوفا أن يذهب منا. وكان موسى بن مسعود يقول: شكنا إذا جلسنا عند سفيان الثوري فكأنما نار أحاطت بنا لما نرى عليه من شدة الخوف والجزع.
• وكان الفضيل بن عياض يقول: خوف العبد من الله على قدر معرفته به.
17- ومن أخرقهم رضي الله تعالى عنهم أن يكون أحدهم هينا لينا ينقاد للصغير كما ينقاد الجمل: وفي الحديث الذي فه الأمر بتسوية الصفوف: (وللينوا في يد إخوانكم)، وفي القرآن العظيم ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ إذا علمت ذلك فاعلم أن من جملة لين الفقراء أن أحدهم إذا دخل على جماعة يذكرون الله تعالى كذكر الأعاجم أو المغاربة أو الشناوية أو المطاوعة مثلا أن يذكر معهم كهيئتهم في الصورة بطرقة الشرعي وكذلك يوافقهم في ذكرهم الذي لقنوه حين دخلوا في الطريق من نفي أو إثبات، ولا يقول إن هذه الكيفية ليست طريقة شيخنا كما يقع في ذلك كثير من الناس، فيفوتهم الأجر مع وقوعهم في الجفاء وغلظ الطبع فالعم ذلك واعمل عليه ، والحمد لله رب العالمين.
18- ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم رؤية محاسن الناس والتعامي عن مساويهم: حتى إن أحدهم لا يكاد يرى في أخيه المسلم عيبا يهجوه به أبدا ويصير الناس كلهم عنده صالحين فعلم أن الصالحين لا يعادون أحدا لفحظ نفس وإما الناس هم الذين يعادونهم حسدا وعدوانا فإن قيل: إن صاحب هذا المقام يقل نفعه لأصحابه من حيث عدم النصح والتحذير من المنكر فيصير هذا مرتكبا للمعاصي على الدوام ولا يهتدي لتحذيره عنها لعدم شهودها فيه إذا حمله على المحامل الحسنة! فالجواب أنه يهتدي للتحذير بالإلهام الصحيح بواسطة رابطته به ، أو بقياسه على نفسه ويقول: كما أني ارتكب المعاصي مثلا فكذلك أخي قد لا يخلو منها فإن ما جاز في حقي جاز في حق غيري ومعلوم عند القوم أن ذكرهم نقائص إخوانهم لا يكون إلا على وجه التحذير دون التشفي لبراءتهم من مثل هذا الفعل.
19- ومن أخرقهم رضي الله تعالى عنهم : كثرة أدبهم مع من علمهم سورة أو آية من القرآن وهم أطفال: فلم يزل أحدهم يتأدب مع من علمه السورة أو الآية أو الباب من العلم حتى إنه لا يقدر يمر عليه راكبا ولا يتزوج له مطلقة ولو صار من مشايخ الإسلام( [134]).
فأخلاق أهل التصوف كثيرة جدا وما هي إلا صورة عن أخلاق سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم الذي وصفه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله ﴿وإنك على خلق عظيم﴾( [135]).

فائدة الصحبة وآدابها

بسم الله الرحمن الرحيم
إن السادة الصوفية هم أحرص الناس على حياة تعبدية خالصة، تقوم أُسُسها على السمع والطاعة، والإذعان لنصيحة ناصح، أو توجيه مرشد، فنشأت بينهم تلك المدارس الروحية التي قامت على أعظم أساليب التربية والتقويم، وأقوى صلات الروح بين الشيخ والمريد. ولذا يوصي العارفون بالله تعالى كل من أراد سلوك طريق الحق الموصل إلى معرفة الله ورضاه بالصُحبةِ، وروحُها الاعتقاد والتصديق بهؤلاء المرشدين الدالين على الله تعالى، الموصلين إلى حضرته القدوسية. أبو حامد الغزالي: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام) ["شرح الحكم" لابن عجيبة ج1/ص7]. وقال رحمه الله: (كنت في مبدأ أمري منكراً لأحوال الصالحين، ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي (يوسف النساج) فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام، فقال لي: يا أبا حامد، دع شواغلك، واصحب أقواماً جعلتُهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا الدارين بحبِّي، قلت: بعزتك إلا أذقتني بَرْدَ حُسْنِ الظن بهم، قال: قد فعلتُ، والقاطع بينك وبينهم تشاغُلُك بحب الدنيا، فاخْرُجْ منها مختاراً قبل أن تخرج منها صاغراً، فقد أفضتُ عليك أنواراً من جوار قدسي. فاستيقظتُ فرحاً مسروراً وجئت إلى شيخي (يوسف النساج) فقصصت عليه المنام، فتبسم وقال: يا أبا حامد هذه ألواحنا في البداية، بل إنْ صحبتني ستكحل بصيرتك بإِثمد التأييد... الخ) ["شخصيات صوفية" لطه عبد الباقي سرور ص154. توفي سنة 1382هـ بمصر]. وقال أيضاً: (مما يجب في حق سالكِ طريق الحق أن يكون له مرشدٌ ومربٌّ ليدله على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة، ومعنى التربية أن يكون المربي كالزارع الذي يربي الزرع، فكلما رأى حجراً أو نباتاً مضراً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً، ويسقي الزرع مراراً إلى أن ينمو ويتربى، ليكون أحسن من غيره ؛ وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي، علمت أنه لا بد للسالك من مرشد البتة، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلاً لهم، ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم ؛ وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نواباً عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله ؛ وهكذا إلى يوم القيامة، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) ["خلاصة التصانيف في التصوف" لحجة الإسلام الغزالي ص18. توفي سنة 505هـ في طوس]. ومن قوله: (يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرةِ التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتَصَمُ المريد شيخُهُ، فليتمسك به) ["الإحياء" ج3/ص65]. ويقول الغزالي: (إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق: الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلعٍ على خفايا الآفات، ويحكّمه في نفسه، ويتبع إشاراته في مجاهداته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرّفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه، ويعرّفه طريق علاجها... الخ) ["الإحياء" ج3/ص55].


الأمير عبد القادر الجزائري:

قال الأمير العارف بالله عبد القادر الجزائري في كتابه "المواقف":

(الموقف المائة والواحد والخمسون: قال الله تعالى حاكياً قول موسى لخضرٍ عليهما السلام: {هلْ اتَّبِعُك على أنْ تعلِّمَنِ مما عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ]: اعلم أن المريد لا ينتفع بعلوم الشيخ وأحواله إلا إذا انقاد له الانقياد التام، ووقف عند أمره ونهيه، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، كحال بعض الناس يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه، وحصول مطلبه، وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به، أو ينهاه عنه. فهذا موسى عليه السلام، مع جلالة قدره وفخامة أمره، طلب لقاء الخضر عليه السلام وسأل السبيل إلى لُقيِّه، وتجشم مشاق ومتاعب في سفره، كما قال: {لقدْ لقينا مِن سفرِنا هذا نَصباً} [الكهف: 62] ومع هذا كله لَمَّا لم يمتثل نهياً واحداً، وهو قوله: {فلا تسألْنِي عن شيء حتى أُحدِثَ لَكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] ما انتفع بعلوم الخَضِر عليه السلام، مع يقين موسى عليه السلام الجازم أن الخضر أعلمُ منه بشهادة الله تعالى، لقوله تعالى عندما قال موسى عليه السلام: لا أعلم أحداً أعلم مني: [بلى، عبدنا خَضِرٌ] وما خصَّ عِلْماً دون علم، بل عمَّم.

وكان موسى عليه السلام أولاً ما علم أن استعداده لا يقبل شيئاً من علوم خضر عليه السلام. وأما خضر عليه السلام، فإنه علم ذلك أول وهلة فقال: {إنَّك لن تستطيعَ معيَ صبراً} [الكهف: 67]. وهذا من شواهد علمية الخضر عليه السلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين.

قال موسى عليه السلام: {هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنِ ممّا عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ] أي: هل تأذن في اتباعك، لأتعلم منك ؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم الذوق.

وقال خضر عليه السلام: {فإنِ اتََّبَعتَني فلا تسْألْني عن شيء حتى أُحدثَ لكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] وما قال: فلا تسألني، وسكت، فيبقى موسى عليه السلام حيران متعطشاً، بل وعده أنه يُحدث له ذكراً، أي: علماً بالحكمة فيما فعل، أو ذكراً: بمعنى: تذكراً.

فأكملية الشيخ في العلم المطلوب منه المقصود لأجله لا تغني عن المريد شيئاً، إذا لم يكن ممتثلاً لأوامر الشيخ، مجتنباً لنواهيه

وما ينفع الأصل من هاشمإذا كانت النفس من باهِلة وإنما تنفع أكملية الشيخ من حيث الدلالة الموصلة إلى المقصود، وإلا فالشيخ لا يعطي المريد إلا ما أعطاه له استعداده، واستعداده مُنْطَوٍ فيه وفي أعماله، كالطبيب الماهر إذا حضر المريض وأمره بأدوية فلم يستعملها المريض، فما عسى أن تغني عنه مهارة الطبيب ؟ وعدم امتثال المريض دليل على أن الله تعالى ما أراد شفاءه من علته، فإن الله إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه.

وإنما وجب على المريد طلب الأكمل الأفضل من المشايخ خشية أن يلقي قيادَهُ بيد جاهل بالطريق الموصل إلى المقصود، فيكون ذلك عوناً على هلاكه) ["المواقف" ج1/ص305 والأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الكبير الذي جاهد الإفرنسيين الطغاة، ووقف سداً منيعاً أمام الاستعمار الفرنسي سبعة عشر عاماً مجاهداً ومناضلاً أشهر من أن يعرف. وإنه لغريب على الأسماع قولنا بتصوف الأمير عبد القادر الجزائري، مع أنه من صفوتهم، وكتابه "المواقف" يشهد له بذلك، وله ديوان متوسط الحجم أطول قصيدة فيه الرائية وعنوانها (أستاذي الصوفي) اخترنا للقارىء بعض أبياتها:

أمسعودُ جاء السعد والخير واليسر وولّت جيوش النحس ليس لها ذكرُ

أسائل كل الخلق، هل من مُخبرٍ ؟ يحدثني عنكم، فينعشني الخَبْرُ

إلى أن دعتني همَّةُ الشيخ من مدى بعيد، ألا فادْنُ فعندي لك الذخر

فشمّرْتُ عن ذيلي الأطارَ وطار بي جناح اشتياق، ليس يُخشى له كسر

إلى أن أنخْنَا بالبطاح ركابَنا وحطت بها رحلي، وتمَّ لها البشر

أتاني مُرَبّي العارفين بنفسه ولا عجبٌ، فالشأن أضحى له أمر

وقال: فإني منذ أعداد حجة لمنتظر لقياك، يا أيها البدر

فأنت بُنيّي، مذ "ألسْتُ بربكم" وذا الوقت حَقَّاَ ضمه اللوح والسطر

وجَدُّكَ قد أعطاك من قِدَمٍ لنا ذخيرتكم فينا، ويا حبذا الذخر

فقبَّلتُ من أقدامه وبساطه وقال لك البشرى، بذا قُضِيَ الأمر

وألقى على صُفْري بإِكسير سرِّهِ فقيل له: هذا هو الذهب التبر [الصفر هو النحاس]

محمد الفاسي، له من محمد صَفِيِّ الإله، الحال والشيم الغر

عليه صلاة الله ما قال قائل أمسعودُ جاء السعدُ والخير واليسر

ولد الأمير سنة 1222هـ الموافق 1807م بقرية قيطنة في الجزائر. وتوفي في سنة 1300هـ الموافق 1883م ودفن بجوار الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي داخل القبة رحمة الله تعالى عليهما. ثم نقل رفاته إلى بلده الجزائر عام 1386هـ الموافق 1966م].

ابن عطاء الله السكندري:

يقول ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينْتهِ عما نهى عنه وزجر) [مفتاح الفلاح" ص30].

وقال أيضاً: (ليس شيخك مَنْ سمعت منه، وإنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، وإنما شيخك الذي سَرَتْ فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، وإنما شيخك الذي رَفَع بينك وبينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك الذي نهض بك حاله.

شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى.

شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك) ["لطائف المنن" ص167"].

وقال أيضاً: (لا تصحب من لا يُنهِضُكَ حاله، ولا يدلك على الله مقاله) ["إيقاظ الهمم" في شرح حكم ابن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709هـ لأحمد بن عجيبة الحسني ج1/ص74].

الشيخ عبد القادر الجيلاني:

ويقول صاحب العينية سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره:

وإن ساعد المقدور أو ساقك القضا إلى شيخ حق، في الحقيقة بارعُ

فقم في رضاه، واتَّبع لمراده ودع كل ما من قبل كنت تسارع

ولا تعترض فيما جهلت من امره عليه، فإن الاعتراض تنازع

ففي قصة الخضر الكريم كفاية بقتل غلام، والكليمُ يدافع

فلما أضاء الصبح عن ليل سره وسلَّ حساماً للغياهب قاطع

أقام له العذرَ الكليمُ وإنه كذلك علم القومِ فيه بدائع

["فتوح الغيب" للجيلاني، من قصيدة تسمى "النوادر العينية في البوادر الغيبية" في 534 بيتاً ص201، وتوفي رضي الله عنه سنة 561هـ في بغداد].

 

الألباني يطعن في أفضلية سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم


الألباني يطعن في أفضلية سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أظهر دينه فحاطه من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين و سخر لدينه رجالا قام بهم وبه قاموا على الوجه القويم..فكانوا سيوفا مسلطه على أهل البدع والأهواء ومن بدل هذا الدين واصلي واسلم على محمد ابن عبد الله النبي الأمين الذي علم الأمة التوحيد والذي قرن الله اسمه باسمه وقال فيه قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين وصلى واسلم على آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار


الألباني يطعن في أفضلية سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم



الألباني يطعن في أفضلية سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
فلا حول ولا قوة الا بالله


يقول الوهابية أن الألباني كان يرد علي العلامة البوطي حفظه الله.
فنقول
الألباني يرد هذا القول للشيخ البوطي ولا يعتقد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق وهذا واضح وجلي ولا يحتاج إلي كثر الكلام كما سنرى
وبماذا يتهم الشيخ البوطي حفظه الله يتهمه انه يقول
أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق علي الإطلاق؟؟
وماذا تعني كلمة ادعي البوطي؟

ما معني الادعاء في قاموس الألباني هل هو الحق أم أن الادعاء
هو القول بغير دليل؟
فيظهر جلياً من الكلمات واستخدامها ومعناها معني الادعاء وانه يرمي الشيخ البوطي حفظه الله انه يدعي شئ غير حقيقي وليس له وجود أم يوجد تفسير أخر لمعنى يدعي الشخص كذا وكذا؟؟
فهذا البيان للجميع
كلام الألباني من كتابه ( التوسل أنواعه وأحكامه ) -وهو قبل النص مباشرا- حيث يقول الألباني في رده على الشيخ البوطي ما نصّه:
((وإذا أردنا أن نميز بين نوعي كلامه - أي كلام البوطي- فإننا نقول:
إن الحق الذي تضمنه هو:
أ – أن النبي صلي الله عليه وسلم قريب إلى الله تبارك وتعالى، وأنه كان رحمة من الله تعالى للخلق.
ب – أنه لا تأثير لأحد حتى للنبي صلي الله عليه وسلم تأثيراً ذاتياً في الأشياء، وإنما التأثير كله لله الواحد الأحد.
ج – أنه يشرع التبرك بآثار النبي صلي الله عليه وسلم ، وأن الصحابة فعلوا ذلك في حياته وبإقرار منه.
هذه النقاط الثلاثة صحيحة لا خلاف فيها، ولو وقف الكاتب عندها لما كان ثمة حاجة للتعليق عليه
.
وأما الباطل الذي تضمنه كلامه - أي كلام البوطي - وفيه الخلاف العريض فهو:
أ – أن التوسل بآثار النبي صلي الله عليه وسلم جائز، وأن الصحابة كانوا يتوسلون بآثاره صلي الله عليه وسلم وفضلاته.
ب – تسويته بين التبرك والتوسل.
ج – أن التوسل بذاته صلي الله عليه وسلم جائز كجواز التبرك بفضلاته.
د – أن مناط التوسل به صلي الله عليه وسلم هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
هـ - جهله بمعنى كلمة الاستشفاع مما حمله على الاستدلال بها على التوسل المبتدع.
و – افتراؤه على السلفيين بأنهم يرون أن النبي صلي الله عليه وسلم كان له تأثير ذاتي في الأشياء خلال حياته، وقد انقطع ذاك التأثير بوفاته، وأن هذا هو سبب إنكارهم التوسل به صلي الله عليه وسلم بعد وفاته‍‌‍‍!
ز – ادعاؤه أن الأعمى توسل بقربه صلى الله عليه وسلم من ربه.
ح – ادعاؤه أن محمداً صلي الله عليه وسلم أفضل الخلائق على الإطلاق.
انتهى كلام الألباني
فاعتبره الألباني من الكلام الباطل فتأمل

يقول الألباني في المرجع السابق وهو يرد على الشيخ البوطي ما نصه:
[[[ خطأ آخر وقع فيه الدكتور - أي البوطي - نتيجة لتهوره وعدم تفكيره فيما يكتب، حيث ادعى أن مناط التوسل بالنبي صلي الله عليه وسلم هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد كما تقدم من كلامه - أي من كلام لبوطي - . انتهى كلام الألباني

الألباني أراد أنْ يحاجج البوطي بأشعريَّة البوطي ليسقط عقيدة البوطي القائلة بأفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على الخلائق على الإطلاق والآن أكمل لكم يا إخوة ما قاله الألباني بعد هذا النص ..
حيث قال الألباني بعد ذلك بسطرين تقريباً :
[ ولعل مستند الدكتور في تقرير تلك العقيدة ((أي عقيدة أفضلية النبي على جميع الخلائق على الإطلاق هو)) ما ورد في قصة المعراج المنسوبة كذباً وعدواناً ]
انتهي
وهذا النَّص يوضح أنَّ الألباني يريد أن يرد عقيدة أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق
فالألباني ينكر بفضلية سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم عند الله على الإطلاق
والا فلماذا يقول للشيخ البوطي ( فأين هذا النص الذي يُثبت كونهُ صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق )
ولماذا يحاجج الشيخ البوطي ويقول لهُ كيف تقول ذلك وأنتم لا تأخذون بحديث الآحاد في العقيدة ؟؟
              
 

الأحد، 11 أبريل 2010

وصف النبي صلى الله عليه وسلم كانك تراه .

ان الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونسترضيه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا انه من يهديه الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
واشهد الا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد عبده ورسوله اللهم صلى على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم وبارك على محمد وعلى ال محمد كما باركت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم.
اما بعد ايها الاخوه الاحباب هذا موضوعي اليكم الا وهو بعنوان وصف النبي صلى الله عليه وسلم واسال الله ان يتقبله مني وان يكون هذا الموضوع دليلا على محبتي للنبي صلى الله عليه وسلم.
نبدء اولا في من وصف النبي اجمالا ثم بعد ذلك ان شاء الله نصف النبي تفصيلا.
اما عن الذين وصفوا النبي فاكتفي باثنين ممن وصفوا النبي صلي الله عليه وسلم وهما السيده العظيمه ام معبد الخزاعيه وسيدنا على بن ابى طالب رضي الله عنه.
اما عن وصف السيده العظيمه ام معبد للنبي وما اجمله من وصف وما احلاه من كلام.
تقول ((رايت رجلا ظاهر الوضاءه (أي حسن الوجه) ابلج الوجه (أي مشرق الوجه) حسن الخلق لم تعبه ثجله (والثجله هي عظام البطن) ولم تزريه صعله (والصعله هي ضغر الراس) وسيم قسيم (والوسيم هو جميل الخلقه والقسيم جميل الملامح) في عينيه دعج (والدعج هو شده سواد العينين) وفي اشفاره وطف (والوطف هو طول اشفار العين) وفي صوته صهل (أي ليس بحاد الصوت) وفي عنقه سطع (والسطع هو الاشراق والطول) وفي لحيته كثاثه (والكثاثه هي دقه نبات شعر اللحيه مع استداره فيها) ازج اقرن (أي دقيق شعر الحجبين مع طول فيهما واتصال ما بينهما من شعر) ان صمت فعليه الوقار وان تكلم سماه وعلاه البهاء (والبهاء هو حسن المظهر) اجمل الناس وابهاهم من بعيد واحسنهم واجملهم من قريب حلو المنطق (أي حلو الكلام) لا نزر ولا هذر (أي ليس كثيرا ولا قليلا) كان منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعه لا تشناه من طول (أي لا يعيبه طول مفرط) ولا تقحمه عين من قصر (أي لا تحتقره عين من قصر شديد) غصن بين غصنين (والغصنان هما ابو بكر وعمر
رضي الله عنهما) فهو انضر الثلاثه منظرا واحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به (أي يحيطون به) ان قال سمعوا لقوله وان امر تبادروا الى امره محفود محشود (والمحفود هو المخدوم والمحشود هو المحاط به) لا عابس ولا معتد)).
بارك الله فيكي يا ام معبد وجزاكي خيرا على هذا الوصف العظيم.
ام عن وصف سيدنا على بن ابي طالب له وما ابلغه من وصف وما اشد لغته قال ابو الساده ((لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد (والممغط أي شديد الطول والمتردد أي بائن القصر) وكان ربعه من القوم لم يكن بالجعد القطط ولا بالبسط (والجعد القطط أي الذي في شعره التفاف شديد والبسط هو الشعر شديد النعومه كشعر النساء) وكان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم (والمطهم هو المنتفخ الوجه وقيل الفاحش والمكلثم اسم مفعول من الكلثمه وهو اجتماع لحم الوجه بلا جهومه) وكان في وجهه تدوير وكان ابيض مشربا ادعج العينين اهدب الاشفار جليل المشاش والكتد (والمشاش هو عظم الراس والكتد هوالكاهل) دقيق المسربه (أي هناك شعر دقيق يصل ما بين صدره الى بطنه) اجرد شثن الكفين والقدمين (الاجرد هو الذي ليس في جسمه شعر الا في مواضع معينه و الشثن هو ضخم اليد والقدمين (اذا تقلع كانما يمشي في صبب واذا التفت التفت معا بين كتفيه خاتم النبوه وهو خاتم النبيين اجود الناس كفا اجرا الناس صدرا واصدق الناس لهجه واوفي الناس ذمه والينهم عريكه (والعريكه هو الطبيعه والفطره) واكرمهم عشره من راه بديهه هابه ومن خالطه معرفه احبه يقول ناعته لم اري قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم)).
رضي الله عن الخليفه العظيم وجزاه خيرا على هذا الوصف الاعظم.
اما عن وصفه تفصيلا.

صفة لونه :

عن أنس رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أزهر اللون ، ليس بالأدهم و لا بالأبيض الأمهق (أي لم يكن شديد البياض والبرص) ، يتلألأ نورا".


صفة وجهه :

كان عليه الصلاة والسلام أسيل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديرا غاية التدوير ، بل كان بين الاستدارة والإسالة هو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء ، مليحا كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه وكان صلى الله عليه و سلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر.
قال عنه البراء بن عازب : "كان أحسن الناس وجها و أحسنهم خلقا".

صفة جبينه :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين" ، (الأسيل : هو المستوي) ، أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر.

وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين أي ممتد الجبين طولا وعرضا ، والجبين هو غير الجبهة ، هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال ، فهما جبينان ، فتكون الجبهة بين جبينين.
وسعة الجبين محمودة عند كل ذي ذوق سليم.

وصفه ابن أبي خيثمة فقال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى الجبين ، إذا طلع جبينه بين الشعر أو طلع من فلق الشعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس ، تراءى جبينه كأنه السراج المتوقد يتلألأ".

صفة حاجبيه :

حاجباه قويان مقوسان ، متصلان اتصالا خفيفا ، لا يرى اتصالهما إلا أن يكون مسافرا وذلك بسبب غبار السفر.
صفة عينيه :

كان عليه الصلاة والسلام مشرب العينين بحمرة ، وقوله مشرب العين بحمرة : هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته صلى الله عليه وسلم التي في الكتب السالفة.
وكانت عيناه واسعتين جميلتين ، شديدتي سواد الحدقة ، ذات أهداب طويلة (أي رموش العينين) ، ناصعتي البياض و كان عليه الصلاة والسلام أشكل العينين ، قال القسطلاني في المواهب : الشكلة بضم الشين هي الحمرة تكون في بياض العين وهو محبوب محمود.

قال الزرقاني : قال الحافظ العراقي : هي إحدى علامات نبوته صلى الله عليه وسلم ، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة فقال : في عينيه حمرة؟
فقال : ما تفارقه ، قال الراهب : هو (شرح المواهب).

وكان صلى الله عليه وسلم "إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل" ، رواه الترمذي.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "كانت عيناه صلى الله عليه وسلم نجلاوان أدعجهما -- والعين النجلاء الواسعة الحسنة والدعج : شدة سواد الحدقة ، ولا يكون الدعج في شيء إلا في سواد الحدقة -- وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها" ، أخرجه
البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق.
صفة أنفه :

يحسبه من لم يتأمله أشما ولم يكن أشما وكان مستقيما ، أقنى أي طويلا في وسطه بعض ارتفاع ، مع دقة أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف).

صفة خديه :

كان صلى الله عليه وسلم صلب الخدين.
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده" ، أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح.

صفة فمه وأسنانه :

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنب مفلج الأسنان (الأشنب : هو الذي في أسنانه رقة وتحدد) ، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والبغوي في شرح السنة.

و عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميله ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان عليه الصلاة والسلام وسيما أشنب (أبيض الأسنان مفلج أي متفرق الأسنان ، بعيد ما بين الثنايا والرباعيات) ، أفلج الثنيتين (الثنايا جمع ثنية بالتشديد وهي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم ، ثنتان من فوق وثنتان من تحت ، والفلج هو تباعد بين الأسنان) ، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه "، (النور
المرئي يحتمل أن يكون حسيا كما يحتمل أن يكون معنويا فيكون المقصود من التشبيه ما يخرج من بين ثناياه من أحاديثه الشريفة وكلامه الجامع لأنواع الفصاحة والهداية).

صفة ريقه :

لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه و سلم فيه شفاء للعليل ، ورواء للغليل و غذاء و قوة و بركة ونماء...
فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرىء من ساعته!.

جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكلهم يرجو أن يعطاها ، فقال صلى الله عليه وسلم : أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا : هو يا رسول الله يشتكي عينيه ، قال : فأرسلوا إليه.

فأتي به وفي رواية مسلم : قال سلمة : فأرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى علي ، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ، فبرىء كأنه لم يكن به وجع...

و روى الطبراني و أبو نعيم أن عميرة بنت مسعود الأنصارية وأخواتها دخلن على النبي صلى الله عليه و سلم يبايعنه ، و هن خمس ، فوجدنه يأكل قديدا (لحم مجفف) ، فمضغ لهن قديدة ، قالت عميرة : ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن ، فمضغت كل واحدة
قطعة فلقين الله تعالى وما وجد لأفواههن خلوف ، (أي تغير رائحة فم).
صفة لحيته :

-- "كان رسول الله صلى الله عليه حسن اللحية" ، أخرجه أحمد وصححه أحمد شاكر.

و قالت عائشة رضي الله عنها : "كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية ، (والكث : الكثير منابت الشعر الملتفها) ، وكانت عنفقته بارزة ، وحولها كبياض اللؤلؤ ، في أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها" ،
أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق وابن أبي خيثمة في تاريخه.

وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال : "كان في عنفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرات بيض" ، أخرجه البخاري.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : "لم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته" أخرجه مسلم.



كما كان صلى الله عليه وسلم أسود كث اللحية ، بمقدار قبضة اليد ، يحسنها ويطيبها (أي يضع عليها الطيب). وكان صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات ، أخرجه الترمذي في الشمائل والبغوي في شرح السنة.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام حف الشارب وإعفاء اللحية.



صفة رأسه :

كان النبي صلى الله عليه وسلم ذا رأس ضخم.

صفة شعره :

كان شديد السواد رجلا (أي ليس مسترسلا كشعر الروم ولا جعدا كشعر السودان وإنما هو على هيئة المتمشط).
يصل إلى أنصاف أذنيه حينا ويرسله أحيانا فيصلإلى شحمة أذنيه أو بين أذنيه و عاتقه ، وغاية طوله أن يضرب منكبيه إذا طال زمان إرساله بعد الحلق ، وبهذا يجمع بين الروايات الواردة في هذا الشأن ، حيث أخبر كل واحد من الرواة عما رآه في حين من الأحيان.

قال الإمام النووي : "هذا ، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه (أي بالكلية) في سني الهجرة إلا عام الحديبية ثم عام عمرة القضاء ثم عام حجة الوداع".
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر الرأس راجله" ، أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.

ولم يكن في رأس النبي صلى الله عليه و سلم شيب إلا شعيرات في مفرق رأسه ، فقد أخبر ابن سعيد أنه ما كان في لحية النبي صلى الله عليه و سلم و رأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء وفي بعض الأحاديث ما يفيد أن شيبه لا يزيد على عشرة
شعرات وكان عليه الصلاة والسلام إذا ادهن واراهن الدهن (أي أخفاهن) ، وكان يدهن بالطيب والحناء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه ، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم ، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد" ، أخرجه البخاري ومسلم.

وكان رجل الشعر حسنا ليس بالسبط ولا الجعد القطط ، كما إذا مشطه بالمشط كأنه حبك الرمل ، أو كأنه المتون التي تكون في الغدر إذا سفتها الرياح ، فإذا مكث لم يرجل أخذ بعضه بعضا ، وتحلق حتى يكون متحلقا كالخواتم ، لما كان أول مرة سدل ناصيته بين
عينيه كما تسدل نواصي الخيل جاءه جبريل عليه السلام بالفرق ففرق.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صدعت الفرق من نافوخه وأرسل ناصيته بين عينيه" ، أخرجه أبو داود وابن ماجه.

وكان صلى الله عليه وسلم يسدل شعره أي يرسله ثم ترك ذلك وصار يفرقه ، فكان الفرق مستحبا ، وهو آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم. و فرق شعر الرأس هو قسمته في المفرق وهو وسط الرأس.
وكان يبدأ في ترجيل شعره من الجهة اليمنى ، فكان يفرق رأسه ثم يمشط الشق الأيمن ثم الشق الأيسر.

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يترجل غبا (أي يمشط شعره و يتعهده من وقت إلى آخر).

وعن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره (أي الابتداء باليمين) إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل وفي انتعاله إذا انتعل ، أخرجه البخاري.

صفة عنقه ورقبته :

رقبته فيها طول ، أما عنقه فكأنه جيد دمية (الجيد : هو العنق. والدمية : هي الصورة التي بولغ في تحسينها).

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : "كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة" ، أخرجه ابن سعد في الطبقات والبيهقي.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : "كان أحسن عباد الله عنقا ، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر ، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب ، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر
ليلة البدر "، أخرجه البيهقي وابن عساكر.

صفة منكبيه :

كان عليه الصلاة و السلام أشعر المنكبين (أي عليهما شعر كثير) ، واسع ما بينهما ، والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بعد ما بين منكبيه لم يكن منافيا للاعتدال.
وكان كتفاه عريضين عظيمين.

صفة خاتم النبوة :

وهو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون ، وفي رواية أنه كان أحمرا ، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. والحقيقة أنه لا يوجد تدافع بين هذه الروايات لأن لون الخاتم كان يتفاوت باختلاف الأوقات ، فيكون تارة أحمرا وتارة كلون جسده و هكذا بحسب الأوقات. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة ، و ورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه و سلم الأيسر.
وقد عرف سلمان الفارسي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخاتم.

وعن عبد الله بن سرجس قال : "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما وقال ثريدا.

فقيل له : أستغفر لك النبي؟ قال : نعم ولك ، ثم تلى هذه الآية : (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد : 19].
قال : "ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى عليه خيلان كأمثال الثآليل" ، أخرجه مسلم.

قال أبو زيد رضي الله عنه : "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقترب مني ، فاقتربت منه ، فقال : أدخل يدك فامسح ظهري ، قال : فأدخلت يدي في قميصه فمسحت ظهره فوقع خاتم النبوة بين أصبعي قال : فسئل عن خاتم النبوة فقال :
"شعرات بين كتفيه" ، أخرجه أحمد والحاكم وقال (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي.

اللهم كما أكرمت أبا زيد رضي الله عنه بهذا فأكرمنا به يا ربنا يا إلهنا يا من تعطي السائلين من جودك وكرمك ولا تبالي.

صفة إبطيه :

كان عليه الصلاة والسلام أبيض الإبطين ، وبياض الإبطين من علامة نبوته إذ إن الإبط من جميع الناس يكون عادة متغير اللون.

قال عبد الله بن مالك رضي الله عنه : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرج بين يديه (أي باعد) حتى نرى بياض إبطيه" ، أخرجه البخاري.

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه" ، أخرجه أحمد وقال الهيثمي في المجمع رجال أحمد رجال الصحيح.
صفة ذراعيه :
كان عليه الصلاة والسلام أشعر ، طويل الزندين (أي الذراعين) ، سبط القصب (القصب يريد به ساعديه).

صفة كفيه :

كان صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه ممتلئة لحما ، غير أنها مع غاية ضخامتها كانت لينة أي ناعمة. قال أنس رضي الله عنه : "ما مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأما ما ورد في روايات أخرى عن خشونة كفيه وغلاظتها ، فهو محمول على ما إذا عمل في الجهاد أو مهنة أهله ، فإن كفه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور (أي العمل) وإذا ترك رجعت إلى النعومة.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا. قال : وأما أنا فمسح خدي. قال :" فوجدت ليده بردا أو
ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار "، أخرجه مسلم.

صفة أصابعه :

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائل الأطراف ، قوله (سائل الأطراف يريد الأصابع أنها طوال ليست بمنعقدة) ، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والحاكم مختصرا والبغوي في شرح السنة
والحافظ في الاصابة.
صفة صدره :
عريض الصدر ، ممتلىء لحما ، ليس بالسمين ولا بالنحيل ، سواء البطن والظهر.
وكان صلى الله عليه و سلم أشعر أعالي الصدر ، عاري الثديين والبطن (أي لم يكن عليها شعر كثير) طويل المسربة و هو الشعر الدقيق.

صفة بطنه :

قالت أم معبد رضي الله عنها : "لم تعبه ثلجه" ، الثلجة : كبر البطن.

صفة سرته :

عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. دقيق المسربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك : حديث هند تقدم تخريجه. واللبة المنحر وهو النقرة التي فوق الصدر.

صفة مفاصله وركبتيه :

كان صلى الله عليه و سلم ضخم الأعضاء كالركبتين والمرفقين و المنكبين والأصابع ، وكل ذلك من دلائل قوته عليه الصلاة والسلام.

صفة ساقيه :

عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : "... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه" ، أخرجه البخاري في صحيحه.

صفة قدميه :

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه : "كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ششن الكفين والقدمين". قوله : خمصان الأخمصين : الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها ، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين ، يريد أن ذلك منه مرتفع.
مسيح القدمين : يريد أنهما ملساوان ليس في ظهورهما تكسر لذا قال ينبو عنهما الماء يعني أنه لا ثبات للماء عليها وسشن الكفين والقدمين أي غليظ الأصابع والراحة رواه الترمذي في الشمائل والطبراني.

وكان صلى الله عليه و سلم أشبه الناس بسيدنا إبراهيم عليه السلام ، وكانت قدماه الشريفتان تشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.

صفة عقبيه :

كان الرسول صلى الله عليه و سلم منهوس العقبين أي لحمهما قليل.

صفة قامته و طوله :

عن أنس رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم" (أي مربوع القامة) ، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ، وكان إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البيهقي وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يماشي أحدا من الناس إلا طاله ، و لربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسب إلى الربعة ، وكان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس.
وبالجملة كان صلى الله عليه وسلم حسن الجسم ، معتدل الخلق ومتناسب الأعضاء.

صفة عرقه :

عن أنس رضي الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ" (أي كان صافيا أبيضا مثل اللؤلؤ)... وقال أيضا : "ما شممت عنبرا قط و لا مسكا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له. وعن أنس أيضا قال : "دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أي نام) عندنا ، فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق ، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت : عرق نجعله في
طيبنا وهو أطيب الطيب "، رواه مسلم ، وفيه دليل أن الصحابة كانوا يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أقر الرسول عليه الصلاة والسلام أم سليم على ذلك.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه (أي تبقى رائحة النبي عليه الصلاة والسلام على يد الرجل الذي صافحه) ، وإذا وضع يده على رأس صبي ، فيظل يومه يعرف من بين الصبيان بريحه على رأسه...
))
تباركت يارسول الله ياخير من خلق الله اللهم اجعل هذا الموضوع خالصا لوجهك الكريم ودليلا على حبنا الكبير للنبي صلى الله عليه وسلم واجعل النبي شافعا لنا يوم القيامه واحشرنا في زمرته واسقنا من يده.
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته. 


حقيقة صوفية حضرموت