منتدى الحوار الاسلامي

الجمعة، 9 أبريل 2010

تحفة اللبيب في الرد على من أنكر الاحتفال بذكرى مولد الحبيب

تحفة اللبيب في الرد على من أنكر الاحتفال بذكرى مولد الحبيب
تُحفةُ اللَّبيب
في الرَّدِ عَلَى مَن أنكَرَ الاحْتِفالَ
بِذِكْرى مَوْلِدِ الحبيب صلى الله عليه وسلم
بِسْمِ اللهِ الَّذي أرسَلَ لَنا مَن بِالْحَقِّ سَنَّ، والْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ لَنا مِنَ البِدَعِ ما هُوَ حَسَنٌ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على صاحِبِ الصَّوْتِ والوَجْهِ الْحَسَنِ، أَبي القاسِمِ جَدِّ الْحُسينِ والْحَسَنِ. أمَّا بَعْدُ فَهَذَا بيانُ جَوازِ الاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ وَأَنَّ فيهِ أَجْرًا وَثَوابًا. نَقولُ مُتَوَكِّلينَ على اللهِ:
1- البِدعَةُ: لُغَةً هيَ مَا أُحْدِثَ على غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ وشَرْعًا الْمُحْدَثُ الَّذي لَمْ يَنُصَّ عليهِ القُرءانُ ولا الْحَديثُ.

2- الدَّليلُ مِنَ القُرءانِ الكَريمِ على البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: قَوْلُهُ تعالى في مَدْحِ الْمُؤمنينَ مِنْ أمَّةِ سَيِّدِنا عيسى، قَالَ تعالى: {وَجَعَلْنَا في قُلُوب الَّذينَ اتَّبَعُوهُ رَأفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاها عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ الله} [سورة الحديد، 27]، فاللهُ امتَدَحَ الْمُسْلِمِينَ الَّذينَ كانُوا على شَريعَةِ عيسى لأنَّهُمْ كانُوا أَهْلَ رَحْمَةٍ ورأفَةٍ ولأنَّهُمْ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانيةَ وَهِيَ الانْقِطاعُ عنِ الشَّهواتِ الْمُباحَةِ زيادَةً على تَجَنُّبِ الْمُحرَّماتِ، حَتَّى إنَّهُمْ انَقطَعُوا عنِ الزِّواجِ وتَرَكُوا الَّلذائِذَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ والثِّيابِ الفاخِرَةِ وأقْبَلُوا على الآخِرَةِ اقْبالاً تامًّا، فاللهُ امْتَدَحَهُمْ عَلَى هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةِ مَعَ أنَّ عيسى لَمْ يَنُصَّ لَهُم عَلَيْهَا. أمَّا قوْلُهُ تعالى في بَقِيَّةِ الآيةِ: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [سورة الحديد، 27] فَلَيْسَ فيها ذَمٌّ لَهُمْ وَلا لِلرَّهبانِيَّةِ الَّتي ابتَدَعَهَا أولَئِكَ الصَّادِقُونَ الْمُؤمِنُونَ بَلْ ذَمٌ لِمَنْ جاءَ بَعْدَهُم مِمَّنْ قَلَّدَهُم في الانْقِطاعِ عَنِ الشَّهواتِ مَعَ الشِّرْكِ أي مَعَ عِبادَةِ عيسى وأُمِّهِ.

3- الدَّليلُ مِنَ السُّنةِ الْمُطَهَّرَةِ على البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنقُصَ مِنْ أُجورِهِم شىْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِن بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِم شىْءٌ"، رواهُ مُسْلِمٌ في صَحيحِهِ مِنْ حَديثِ جَريرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ. فأفْهَمَ هَذا الْحَديثُ أنَّ الرَّسُولَ عليه السلام هُوَ الَّذي عَلَّمَ أُمَّتَهُ أنَّ البِدْعَةَ على ضَرْبَيْنِ: بدعَةُ ضَلالةٍ: وَهِيَ الْمُحْدَثَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلْقُرءانِ والسُّنَّةِ. وَبِدْعَةُ هُدًى: وَهِيَ الْمُحْدَثَةُ الْمُوافِقَةُ لِلْقُرءانِ والسُّنَّةِ. فإنْ قيلَ: هَذا مَعْناهُ مَنْ سَنَّ في حياةِ رَسُولِ اللهِ أمَّا بَعْدَ وَفاتِهِ فلا، فالْجوابُ أنْ يُقالَ: [لا تَثْبُتُ الْخُصُوصِيَّةُ إلا بِدَلِيلٍ] وَهُنا الدَّليلُ يُعْطِي خِلافَ ما يَدَّعونَ حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَنَّ في الإسلام" وَلَمْ يَقُلْ مَنْ سَنَّ في حياتِي ولا قالَ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أنا عَمِلْتُهُ فأحْياهُ، وَلَمْ يَكُنِْ الإسلامُ مَقْصورًا على الزَّمَنِ الَّذي كانَ فيهِ رسولُ الله، فَبَطَلَ زَعْمُهُم. فإِنْ قالُوا: الْحَديثُ سَبَبُهُ أنَّ أُناسًا فُقَراءَ شديدي الفَقْرِ يَلْبَسُونَ النِّمارَ جاؤوا فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رسولِ اللهِ لِما رأى مِنْ بُؤسِهِم فَتَصَدَّق النَّاسُ حَتَّى جَمَعُوا لَهُم شيئًا كثيرًا فَتَهَلَّلَ وَجْهُ رسولِ اللهِ فقالَ: "مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها"، فالْجَوَابُ أَنْ يُقالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَمَا ذَكَرَ عُلَمَاءُ الأُصُولِ.

4- الدَّليلُ مِنْ أَقوالِ وأفعالِ الْخُلَفاءِ الرَّاشدينَ على البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: فَقَدْ أَحْدَثَ الخُلَفاءُ الرَّاشدُونَ الْمَرْضِيُّونَ أَشْياءَ لَمْ يَفْعَلْها الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم ولا أمَرَ بِها مِمَّا يُوافِقُ الْكِتابَ والسُّنَّةَ فكانوا قُدْوَةً لنا فيها، فَهَذا أبو بَكْرٍ الصِّديقُ يَجْمَعُ القُرءانَ ويُسَمِّيهِ بِالْمُصْحَفِ، وهَذا عُمَرُ بنُ الْخطَّابِ يَجْمَعُ النَّاسَ في صلاةِ التَّراويحِ على إمامٍ واحِدٍ وَيَقولُ عَنْها: [نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ]، وهَذا عُثمانُ بنُ عَفَّانَ يأمُرُ بِالأَذانِ الأوَّلِ لِصَلاةِ الْجُمَعَةِ، وهَذا الإمامُ عليٌّ يُنْقَطُ الْمُصْحَفُ وَيُشَكَّلُ في زمانِهِ على يَدِ يَحْيى بنِ يَعْمَرَ، وهَذا عُمَرُ بنُ عَبِدِ العزيزِ يعْمَلُ الْمَحارِيبَ والْمآذِنَ لِلْمَساجِدِ. كُلُّ هَذِهِ لَمْ تَكُنْ في زَمانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهَلْ سَيَمْنَعُها الْمانِعُونَ لِلْمَوْلِدِ في أيَّامِنا هَذِهِ أوْ أَنَّهُم سَيَتَحَكَّمُونَ فَيَسْتَبِيحُونَ أَشياءَ وَيُحَرِّمُونَ أَشياءَ؟! وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فإِنَّهُم حَرَّمُوا الْمَوْلِدَ وأباحُوا نَقْطَ الْمُصْحَفِ وتَشْكيلَهُ وأباحُوا أشياءَ كثيرَةً مِمَّا لَم يَفْعَلْهَا الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم كَالرُّزْناماتِ -مواقيتِ الصَّلواتِ- الَّتي لَمْ تَظْهَرْ إلا قَبْلَ نَحْوِ ثلاثِمِائَةِ عامٍ وَهُم يَشْتَغِلُونَ بِهَا وَيَنْشُرونَها بينَ النَّاسِ.

5- الدَّليلُ مِنَ أقْوالِ عُلَمَاءِ السَّلَف على البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: قالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: [الْمُحْدَثَاتُ مِنَ الأُمورِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُما ما أُحْدِثَ مِمَّا يُخالِفُ كِتابًا أو سُنَّةً أو إِجْماعًا أوْ أَثَرًا فَهَذِهِ البِدْعَةُ الضَّلالةُ والثَّانِيَةُ ما أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ ولا يُخالِفُ كِتابًا أوْ سُنَّةً أَو إِجْماعًا وهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ] رواهُ البَيْهَقِيُّ بالإسْنادِ الصَّحيحِ في كِتابِهِ مَناقِبُ الشَّافِعِيِّ. وَمَعْلومٌ أنَّ الْمُحَدِّثينَ أَجْمَعُوا على أنَّ الشَّافِعِيَّ رَضيَ اللهُ عنهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِقوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "عالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلأُ طِباقَ الأَرْضِ عِلْمَا" رَواهُ التِّرْمِذِيُّ.
أَمَّا البَيْهَقِيُّ فَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ السَّبْعَةِ الَّذينَ اتُّفِقَ على عَدَالَتِهِم.

6- الْموْلدُ هُوَ شُكْرٌ للهِ تعالى عَلَى أنَّهُ أَظْهَرَ مُحَمَّدًا في مِثْلِ هَذا الشَّهر، لَيْسَ عِبَادَةً لِمُحَمَّدٍ، نَحْنُ لا نَعْبُدُ مُحَمَّدًا وَلا نَعْبُدُ شَيْئًا سِوى اللهِ، لَكِنْ نُعَظِّمُ تَعْظيمًا فَقَط، نُعَظِّمُ مُحَمَّدًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الأَنبياءِ والْمَلائِكَةِ، ثُمَّ نُعَظِّمُ كُلَّ الأَنْبياءِ ولا نَعْبُدُ واحِدًا مِنْهُم، لا نَعْبُدُ مُحَمَّدًا ولا أَيَّ مَلَكٍ وَلا أَيَّ نَجْمٍ ولا الشَّمْسَ ولا القَمَرَ، نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ عِنْدَنا لله، نَضَعُ جِباهَنا بِالأرْضِ وَنُقَدِّسُهُ، نِهايةُ التَّذَلُّلِ هِيَ العِبادَةُ، هَذِهِ نَحْنُ لا نَفْعَلُها لِسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، إِنَّما نَحْنُ عِبادَتُنا للهِ، نَحْنُ لا نَعْبُدُ مُحمَّدًا بَلْ نَعْتَبِرُ مُحَمَّدًا دَاعِيًا إلى اللهِ، هَدَى النَّاسَ وَيَسْتَحِقُّ التَّعْظيمَ، أَقَلَّ مِنَ العِبادَةِ، أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ، واللهُ تعالى امْتَدَحَ الَّذينَ ءامنُوا بِهِ صلى الله عليه وسلم وَعَزَّرُوهُ أي عظَّمُوهُ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَالَّذِينَ ءامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [سورة الأعراف، 157]. الْمَوْلِدُ فيهِ اجْتِمَاعٌ على طاعَةِ اللهِ، اجْتِمَاعٌ على حُبِّ اللهِ وحُبِّ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، اجْتِمَاعٌ على ذِكْرِ اللهِ وَذِكْرِ شَىْءٍ مِنْ سيرَةِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونَسَبِهِ الشَّريفِ، وشَىْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ الْخَلْقِيَّةِ والْخُلُقِيَّةِ، وَفيهِ إِطْعامُ الطَّعامِ لِوجْهِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى واللهُ تعالى يَقول: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان، 8]، بَعْدَ هذا كَيْفَ يُحَرِّمُ شَخْصٌ يَدَّعي العِلْمَ عَمَلَ الْمَوْلِدِ فَرَحًا بِوِلادَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟!

7- الأصْلُ الذي اسْتَخْرَجَهُ الْحافِظُ ابنُ حَجَرٍ مِنَ السُّنةِ على جَوازِ عَمَلِ الْمَوْلِدِ في كِتَابِهِ الْحَاوِي لِلْفَتَاوَي (1/189-197): مَا رَوَاهُ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدينةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَسُئلوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالوا: [هُوَ الْيَومُ الَّذي أَظْهَرَ اللهُ مُوسى وَبَني إسْرائيلَ على فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نصُومُهُ تَعْظيمًا لَهُ]، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أوْلى بِموسى" وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ أَمْرَ اسْتِحْبابٍ. فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَديثِ فِعْلُ الشُّكْرِ للهِ تعالى على ما تفَضَّلَ بِهِ في يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِن حُصُولِ نِعْمَةٍ أَو رَفْعِ نِقْمَةٍ، ويُعادُ ذَلِكَ في نَظيرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، والشُّكرُ للهِ يَحْصُلُ بِأَنْواعِ العِبادَةِ كالسُّجودِ والصِّيامِ والصَّدَقَةِ والتِّلاوَةِ، وأَيُّ نِعْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ بُرُوزِ النَّبيِ صلى الله عليه وسلم.

8- الأصْلُ الذي اسْتَخْرَجَهُ الْحَافِظُ السِّيوطِيُّ مِنَ السُّنةِ على جَوازِ عَمَلِ الْمَوْلِدِ في رِسَالَتِهِ"حُسْنُ الْمَقْصِدِ في عَمَلِ الْمَوْلِدِ": قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فيهِ وفيهِ أُنْزِلَ عَلَيّ"، لَمَّا سُئِلَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ سَبَبِ صِيامِهِ لِيوْمِ الاثنينِ. وفي هَذَا الْحديثِ إِشارَةٌ إِلى اسْتِحْبابِ صِيامِ الأيَّامِ الَّتي تَتَجَدَّدُ فِيها نِعَمُ اللهِ تعالى على عِبادِهِ، وإنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْنا إِظْهَارَهُ صلى الله عليه وسلم وَبِعْثَتَهُ وإرسالَهُ إِلَيْنَا، وَدَليلُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم} [سورة ءال عمران، 164]. قالَ الْحافِظُ السِّيوطيُّ في رِسَالَتِهِ [وقَدِ اسْتَخْرَجَ لَهُ - أي الْمَوْلِدِ - إِمامُ الْحُفَّاظِ أبو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ أَصْلاً مِنَ السُّنَّةِ واسْتَخْرَجْتُ لَهُ أَنا أَصْلاً ثانيًا ...اهـ.

9- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ كَمَا قيلَ إِنَّ أصلَهُ هُوَ أنَّ أُناسًا كانُوا يَحْتَفِلُونَ بِوفاتِهِ صلى الله عليه وسلم: فَقَدْ ذَكَرَ الْحُفَّاظُ والعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحابِ التَّوارِيخِ وغَيْرِهِم أنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَحْدَثَ عَمَلَ الْمَوْلِدِ هُوَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ الَّذي كانَ يَحْكُمُ إِرْبِلَ، وَهُوَ وَرِعٌ، صالِحٌ، عالِمٌ، شُجَاعٌ، ذُو عِنَايَةٍ بِالْجِهَادِ، كانَ من الأَبْطالِ، مَاتَ وَهُوَ يُحَاصِرُ الفِرِنْجَ بِعَكَّا، هُوَ أَوَّلُ مَنْ اسْتَحْدَثَ هَذَا الأَمْرَ، ثُمَّ وافَقَهُ العُلَماءُ والفُقَهاءُ، حَتَّى عُلَمَاءُ غَيْرِ بَلَدِهِ الَّذينَ لا يَحْكُمُهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْحافِظُ السِّيوطِيُّ في كِتابِهِ الأوائِلِ، ولا زالَ الْمُسْلِمونَ على ذَلِكَ مُنْذُ ثَمانِمِائةِ سَنَةٍ حَتَّى الآنَ. فأيُّ أَمرٍ اسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاءُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وأَجْمَعوا عَلَيْهِ فَهُوَ حَسَنٌ وَأَيُّ شىءٍ اسْتَقْبَحَهُ عُلَمَاءُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ قَبيحٌ، ومَعْلومٌ أنَّ عُلَمَاءَ الأُمَّةِ لا يَجْتَمِعُونَ على ضَلالَةٍ لِحديثِ: "إِنَّ أُمَّتي لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ" رَواهُ ابنُ ماجَه في سُنَنِهِ.

10- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ عَنْهُ لوْ كانَ خَيْرًا لَدَلَّ الرَّسُولُ أُمَّتَهُ عليهِ: فَجَمْعُ الْمُصْحَفِ وَنَقْطُهُ وتَشْكيلُهُ عَمَلُ خَيرٍ مَعَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم ما نَصَّ عليهِ ولا عَمِلَهُ. فَهُؤلاءِ الَّذينَ يَمْنَعُونَ عَمَلَ الْمَوْلِدِ بِدَعوى أنَّهُ لَوْ كانَ خَيْرًا لَدَلَّنا الرَّسولُ عليهِ وَهُم أَنْفُسُهُم يَشْتَغِلُونَ في تَشْكيلِ الْمُصْحَفِ وَتَنْقيطِهِ يَقَعونَ في أَحَدِ أمْرَيْنِ: فَإِمَّا أنْ يَقولُوا إِنَّ نَقْطَ الْمُصْحَفِ وتَشْكيلَهُ لَيْسَ عَمَلَ خَيْرٍ لأنَّ الرَّسولَ ما فَعَلَهُ وَلَمْ يَدُلَّ الأُمَّةَ عليهِ وَمَعَ ذَلِكَ نَحْنُ نَعْمَلُهُ، وإِمَّا أنْ يَقولُوا إنَّ نَقْطَ الْمُصْحَفِ وتَشْكيلَهُ عَمَلُ خيرٍ لَو لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسولُ وَلَمْ يَدُلَّ الأُمَّةَ عليهِ لِذَلِكَ نَحْنُ نَعْمَلُهُ. وَفي كِلا الْحالَيْنِ نَاقَضُوا أَنْفُسَهُم.

11- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ الرَّسُولُ لَمْ يأتِ بِه فَلا نَعْمَلُهُ احْتِجَاجًا بِقولِهِ تعالى: {وَما ءاتَاكُمُ الرَّسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنْهُ فانْتَهوا}: فَلَيْسَ كُلُّ أمْرٍ لَمْ يأمُرْنا بِهِ الرَّسُولُ ولا نَهانا عَنْهُ فَهُوَ حَرامٌ، فالرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِنَقْطِ الْمُصْحَفِ ولا نَهانا عَنْهُ فلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنَا عَمَلُهُ لأنَّهُ مُوافِقٌ لِدينِهِ صلى الله عليه وسلم، كَذَلِكَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ الرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِهِ ولا نَهانا عَنْهُ فَلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنا عَمَلُهُ لأَنَّهُ مُوافِقٌ لِدِينِهِ صلى الله عليه وسلم. الْحاصِلُ لَيْسَتْ كُلُّ أُمُورِ الدِّينِ جَاءَتْ نَصًّا صَريحًا في القُرءانِ أوْ في الْحديثِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ فيهِما فَلِعُلَمَاءِ الأُمَّةِ الْمُجْتَهِدينَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَديثِ أنْ يَسْتَنبِطُوا أَشْياءَ تُوافِقُ دينَهُ صلى الله عليه وسلم، وَيُؤيِّدُ ذَلِكَ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا...، فيُسْتفَادُ مِنْ هَذَا الْحَديثِ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أَذِنَ للمُسلمينَ أَنْ يُحدِثُوا في دينِهِ ما لا يُخالِفُ القُرءانَ والْحديثَ فيُقالُ لذلكَ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ.

12- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ دَاخِلاً تَحْتَ نَهْيٍ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ": لأنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَفْهَمَ بِقَوْلِهِ: "ما لَيْسَ مِنْهُ" أَنَّ الْمُحْدَثَ إِنَّما يَكُونُ ردًّا أيْ مَرْدُودًا إِذا كانَ على خِلافِ الشَّريعَةِ، وأَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُوافِقَ لِلشَّريعَةِ لَيْسَ مَرْدُودًا. فالرَّسُولُ لَمْ يَقُلْ مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا فَهُوَ رَدٌّ بَلْ قَيَّدَهَا بِقَولِهِ: "ما لَيْسَ مِنْهُ" لِيُبَيِّنَ لَنَا أنَّ الْمُحْدَثَ إِنْ كانَ مِنْهُ (أي مُوافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَشْرُوعٌ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ (أي لَمْ يَكُنْ موافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَمْنوعٌ. وَلَمَّا كانَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ أمْرًا مَشروعًا بِالدَّليلِ النَّقْلِيِّ مِنْ قُرْءانٍ وَسُنَّةٍ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَرْدُودٍ.

13- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ لَمْ يَكْتَمِلْ وَلا تَكذيبًا لِقَولِهِ تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [سورة المائدة، 2]: لأنَّ مَعْناها أنَّ قواعِدَ الدِّينِ تَمَّت، قالَ القُرطُبِيُّ في تَفْسيرِهِ: [وَقالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرادُ مُعْظَمُ الفَرَائِضِ والتَّحليلِ والتَّحْريمِ، قالوا: وقَد نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرءانٌ كثيرٌ، ونَزَلَتْ ءايةُ الرِّبا وَنَزَلَت ءايةُ الكَلالَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ]. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ هِيَ ءاخِرَ ءايَةٍ نَزَلَت مِنَ القُرءانِ بَلْ ءاخِرُ ءايَةٍ نَزَلَتْ هِيَ قولُهُ تعالى:{وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون} [سورة البقرة، 285] ذَكَرَ ذَلِكَ القُرطُبِيُّ في تَفْسيرِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.


14- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اتَّهامٌ لِرَسُولِ اللهِ بِالْخِيانَةِ بِدَعْوى أنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْ أُمَّتَهُ بِهِ كَمَا زَعَمَ الْمانعُونَ لِلمَوْلِدِ: فإِنْ كانَ كُلُّ فِعْلٍ أُحْدِثَ بَعْدَ الرَّسُولِ لَمْ يُعَرِّفِ النَّبِيُّ أُمَّتَهُ بِهِ مِمَّا هُوَ موافِقٌ لِلقُرءانِ والسُّنةِ يَكونُ فيه اتَّهامٌ لِلرَّسولِ بِالْخِيانَةِ فَعلى قَوْلِكُمْ أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وَعَلِيٌّ وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ وصَفوةٌ مِنْ عُلَماءِ الأُمَّةِ اتَّهَمُوا الرَّسُولَ بِالْخِيانَةِ لأنَّهُم أَحْدَثُوا أشياءَ موافِقَةً للقُرءانِ والسُّنةِ مِمَّا لَمْ يُعَرِّفِ الرَّسولُ أُمَّتَهُ بِها. أمَّا استِشهادُكُم بِما تَنْسُبُونَهُ للإمامِ مالِكٍ مِنْ أنهُ قالَ: [مَنِ ابْتَدَعَ في الإسْلامِ بِدْعَةً يَراهَا حَسَنَةً فَقَد زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم خانَ الرِّسالةَ] فَمَعْناهُ البِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَعقيدَةِ التَّشبيهِ والتَّجسيم ولَيْسَ في الْمَوْلِدِ وما أَشْبَه. ثُمَّ أَنْتُمْ تَسْتَشْهِدُونَ بِقَوْلِ الإمامِ مالِكٍ وأَنْتُم تُكَفِّرونَهُ مَعْنًى وإنْ لَمْ تُكَفِّروهُ لَفْظًا، لأنَّ الْخَليفةَ الْمَنْصورَ لَمَّا جاءَ الْمَدينةَ سَأَلَهُ: [يا أَبا عبدِ الله أسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ وأدْعو أم أسْتَقبِلُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسيلَةُ أبيكَ ءادَمَ عليه السلامُ إلى اللهِ تعالى؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِع بِهِ فَيُشَفِّعَهُ اللهُ]، وهَذا عِنْدَكُم شِرْكٌ وضلالٌ مُبين. رَمَيْتُم عُلَماءَ الأمَّةِ بالشِّركِ ثُمَّ اسْتَشْهَدْتُم بِأقْوالِهِم.

15- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلا يُمْنَعُ بِدَعْوى أنَّ فيهِ مُشابَهَةً لِلنَّصارَى في احْتِفالِهِم بِمَوْلِدِ عيسى عليه السلام: لأنَّ ما يُوافِقُ دِينَ اللهِ مِمَّا عَمِلَهُ أولئكَ اليهودُ أوِ النَّصارى إِنْ نَحْنُ عَمِلْناهُ فَهُوَ مُرَخَّصٌ لَنا بِخِلافِ ما فَعَلُوهُ مِمَّا لا يُوافِقُ دِينَ اللهِ، أليْسَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رأى اليَهودَ تَصومُ يَوْمَ عاشُوراءَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدينةَ وقالُوا: [هَذا يومٌ أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَونَ وَنَصَرَ مُوسى]قال صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أولى بِموسى مِنْكُم" وأمَرَ بِصَوْمِهِ، ما قالَ لا تَصُومُوا عاشُوراءَ اليهودُ تَصُومُهُ هَذا تَشَبُّهٌ بِهِم، بَلْ أَمَرَ أُمَّتَهُ بِصوْمِهِ، نُعَظِّمُ هَذا اليومَ كَمَا أتْباعُ موسى عَظَّمُوا ذَلِكَ اليومَ، يومَ عَاشُورَاء.

16- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ: كَمَا أنَّ نَقْطَ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ لأنَّ هَذَينِ الشَّرْطَيْنِ لا أصْلَ لَهُمَا في دينِ اللهِ تعالى والرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تعالى فَهُوَ باطِلٌ وإِنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ"، رَواهُ البَزَّارُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا.

17- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ داخِلاً في البِدَعِ الَّتي نَهَى عَنْها رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: "وكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ": قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ في أَلْفِيَّتِهِ [وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ] مَعْنَاهُ أَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْوَارِدُ الْوَارِدُ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ أَحْسَنَ تَفْسيرٍ مَا وَافَقَ السِّيَاقَ، وَسِيَاقُ الْحَديثِ ابْتَدَأهُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ "فَإِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ" مَعْنَاهُ أَحْسَنُ الْكَلامِ كَلامُ اللهِ، "وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ" مَعْنَاهُ أَحْسَنُ السِّيَرِ سِيرَةُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ "وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا" الْحَدِيثَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى إِنَّ شَرَّ الأُمُورِ الْمُحْدَثَاتُ الَّتي خَالَفَتْ أَحْسَنَ الْحَديثِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ وَهِيَ بِدْعَةُ الضَّلالَة، فَلا دَخَلَ لِلْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ في ذَلِكَ الذَّمِّ الْمَذْكُورِ. قالَ النَّوَوَيُّ في شَرحِ صَحيحِ مُسْلِمٍ (الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ في صَحيفَةِ مِائَةٍ وأَرْبَعَةٍ وخَمْسينَ) ما نَصُّهُ: [قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" هَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ (أي لَفْظُهُ عامٌّ وَمَعناهُ مَخْصوصٌ)، والْمُرادُ بِهِ غالِبُ البِدَعِ] وقالَ أيْضًا: [ولا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْحَديثِ عامًّا مَخْصُوصًا قَوْلُهُ: "كُلُّ بِدْعَةٍ" مُؤَكِّدًا بِكُلُّ، بَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصيصُ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْء} [سورة الأحقاف، 25] ] ا.هـ. فَهَذِهِ الآيةُ لَفْظُها عامٌّ وَمَعْناهَا مَخْصُوصٌ لأنَّ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتي وَرَدَ أنَّها تُدَمِّرُ كُلَّ شىءٍ سَخَّرَهَا اللهُ على الكافِرينَ مِنْ قَوْمِ عادٍ فأهْلَكَتْهُم وَلَمْ تُدَمِّرْ كُلَّ مَن على وَجْهِ الأَرْضِ لأنَّ اللهَ تعالى أَخْبَرَنا أنَّهُ نَجَّى هُودًا عليه السلام وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤمِنينَ، قَالَ تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [سورة هود، 58]. وَمِنَ الأَمْثِلَةِ على العامِّ الْمَخْصوصِ قَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ عَيْنٍ زانيةٌ" وَمْعلومٌ شَرْعًا أنَّ هذا الْحديثَ لا يَشْمَلُ أَعْيُنَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّ اللهَ تعالى عَصَمَهُم مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلى الْعَالَمين} [سورة الأنعام، 86]. وَقَدْ وَرَدَ في الْحَديثِ الصَّحيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوودَ في سُنَنِهِ في بَابِ ذِكْرِ الصُّورِ وَالْبَعْثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ ابْنِ ءادَمَ تأكُلُ الأَرْضُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ" وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ كَلِمَةَ كُلّ لا تَأتي دَائِمًا لِلشُّمُولِ الْكُلِّيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء". فَيَكُونُ مَعْنَى "كُلُّ ابْنِ ءادَمَ تأكُلُ الأَرْضُ" الأغْلَبَ لأَنَّ الرَّسُولَ اسْتَثْنَى في الْحَديثِ الآخَرِ الأَنْبِيَاءَ.

19- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولَيْسَ دَاخِلاً في قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذينَ قَبْلَكُم": لأنَّ مَعْنى الْحديثِ مِمَّا حَصَلَ مِنْ أُمورٍ دُنْيَوِيَّةٍ، أليْسَ الآنَ النَّاسُ في أثاثِ الْمنازِلِ والأزياءِ وأُمورٍ كثيرَةٍ قِسْمٌ مِنْهُ مُباحٌ لَيْسَ مُحَرَّمًا وقِسْمٌ مُحَرَّمٌ اتَّبَعَت هؤلاءِ، اليَوْمَ الأُمَّةُ اتَّبَعَتْ هَؤلاءِ في أشياءَ مُحَرَّمةٍ وفي أشياءَ غيرِ مُحَرَّمَةٍ إنَّما هِيَ تَوَسُّعٌ في الدُّنيا.

20- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ دَاخِلاً في الإطْراءِ الَّذي نَهانا عَنهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: "لا تُطْروني كما أطْرَتِ النَّصارى الْمَسيحَ ابنَ مَرْيَمَ": لأنَّ مَعْناهُ لا تَرْفَعُوني فَوْقَ مَنْزِلَتي كَمَا رَفَعَتِ النَّصارى عيسى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، جَعَلُوهُ إلـهًا خالِقًا. أمَّا عَمَلُنَا لِلْمَوْلِدِ لَيْسَ رَفْعًا لِلرَّسُولِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ بَلْ هُوَ شُكْرٌ لله تعالى على وَلادَتِهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِذًا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لا تُطْرُوني" لَيْسَ مَعْناهُ لا تَمْدَحُوني على الإطلاقِ، بَلِ الْحَقُّ أنْ يُقالَ ما كانَ غُلُوًّا فَهُوَ مَمنوعٌ وَما لَمْ يَكُن كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، وإلا كَيْفَ أَذِنَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ العَبَّاسِ رضيَ اللهُ عَنْهُ أنْ يَمْدَحَهُ بَلْ وَدَعى لَهُ، فَقَد ثَبَتَ بِالإسْنادِ الْحَسَنِ فِيما رواهُ ابنُ حَجَرٍ في الأماليِّ أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ عَمُّهُ العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ: [يا رَسولَ الله إِنِّي امْتَدَحْتُكَ بِأبْياتٍ]، فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قُلْهَا لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ" فَكانَ مِمَّا قَالَهُ العبَّاسُ رَضيَ اللهُ عَنْهُ في مَدْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: [وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأَرْضُ وَضاءتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ].

21- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اخْتِزَالٌ لِمَحَبَّتِهِ صلى الله عليه وسلم في يَوْمٍ واحِدٍ: ألَيْسَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قال لِليهُودِ: "نَحْنُ أوْلى بِمُوسَى مِنْكُم" وَأَمَرَ بِصَوْمِ عاشُورَاءَ، فَهَلْ يَكُونُ الرَّسولُ بِذَلِكَ اخْتَزَلَ مَحَبَّةَ مُوسَى عليه السلام في يومٍ واحِدٍ فَقَط؟!

22- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ قَدْحٌ لِصَحابَتِهِ صلى الله عليه وسلم بِزَعْمِ أنَّ فيهِ إِشارَةً إلى أنَّنا نُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِنْهُم: فالرَّسولُ صلى الله عليه وسلم ما جَمَعَ القُرءانَ في كتابٍ واحِدٍ بل أبو بَكْرٍ الصِّديقُ هُوَ الَّذي جَمَعَهُ وَسَمَّاهُ الْمُصْحَفَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ بِحُجَّةِ أنَّ فِعْلَهُ هَذَا يُشيرُ إلى أنَّهُ يُحِبُّ القُرءانَ أَكْثَرَ مِنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ أليْسَ الْعُلَمَاءُ قالُوا: [الْمَزِيَّةُ لا تَقْتَضي التَّفْضيلَ]، فإنْ كانَ أبو بكْرٍ الصِّديقُ جَمَعَ القُرءانَ والرَّسولُ لَمْ يَجْمَعْهُ في كِتابٍ واحِدٍ على هَيْئَتِهِ اليوْمَ فهَذا لا يَعني أنَّهُ أفْضَلُ مِنْ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنْ كانَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ في صلاةِ التَّراويحِ على إمامٍ واحِدٍ وأبو بكْرٍ لَمْ يَفْعَلْهُ فهَذا لا يَعني أنَّهُ أفْضَلُ مِنْ أبي بَكْرٍ، وإنْ كانَ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ أمَرَ بالأذانِ الأوَّلِ لِصَلاةِ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَهذا لا يَعني أنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، كَذَلِكَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ إِنْ نَحْنُ عَمِلْناهُ لَكِنَّ الصَّحابَةَ ما عَمِلُوهُ فَمُجَرَّدُ هَذا لا يَعْني أنَّنا أَفْضلُ مِنْهُم ولا أنَّنا نُحِبُّهُ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْهُم.

23- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وإِظْهارُنَا لِلفَرَحِ والسُّرورِ في مِثْلِ هَذا اليوم بِوِلادَتِهِ وَبِعْثَتِهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ قَدْحًا في مَحَبَّتِنا لَهُ صلى الله عليه وسلم لِمُجَرَّدِ أنَّ يَوْمَ وَفاتِهِ صلى الله عليه وسلم كانَ في نَظيرِ يَوْمِ وِلادَتِهِ صلى الله عليه وسلم كَما زَعَمَ الْمانِعونَ لِلْمَوْلِدِ: فَمَا اسْتَنَدُوا عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُمْ فيهِ مُتَمَسَّكٌ لأنَّ أيامَ الأُسبوعِ على مَرِّ العُصُورِ لا يَخْلُو مِنها يَوْمٌ إِلا وَحَصَلَ فيهِ حادِثٌ أو مُصيبَةٌ ألَمَّتْ بِالْمُسلمينَ وأحْزَنَتْهُم، فَعَلَى قَوْلِكُم الْمُسْلِمونَ لا يَحْتَفِلُونَ بِعُرْسٍ ولا بِعيدٍ لأنَّهُ قَد يَكُونُ في مِثْلِ اليوْمِ الَّذي ماتَ فيهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أو في مِثْلِ اليَومِ الَّذي كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُقَّتْ شَفَتُهُ الشَّريفَةُ صلى الله عليه وسلم كَمَا حَصَلَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. الْحاصِلُ أنَّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ ولا النَّقْلُ. ثُمَّ ألَيْسَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قال: "خَيرُ يوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فيهِ خُلِقَ ءادَمُ وفيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وفيه أُخْرِجَ مِنْهَا" رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحيحِ، فَتَفْضيلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِيوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَفْضيلُنا لِهَذا اليوْمِ لَيْسَ فيهِ قَدْحٌ في مَحَبَّتِنا لآدَمَ عليه السلام مَعَ أنَّهُ نَظيرُ اليَومِ الَّذي أُخْرِجَ فيهِ مِنَ الْجَنَّةِ، كَذَلِكَ تَعْظيمُنا لِيومِ عاشُوراءَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أوْلى بِمُوسى مِنْكُم" وأمَرَ بِصَوْمِهِ لَيْسَ فيهِ قَدْحٌ في مَحَبَّتِنا لِسَيِّدِ شبابِ أهلِ الجنَّةِ الْحَسَيْنِ بنِ عليٍّ رَضيَ اللهُ عَنْهُما مَعَ أنَّهُ نَظيرُ اليَومِ الَّذي قُتِلَ فيهِ، كَذَلِكَ إِظْهارُنا لِلْفَرَحِ في مِثْلِ يَوْمِ مَولِدِهِ صلى الله عليه وسلم ما فيهِ قَدْحٌ لِمَحَبَّتِنا لَهُ صلى الله عليه وسلم مَعَ أنَّ وَفاتَهُ كَانَت في مِثْلِ هَذا اليومِ.

24- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلا نُحَرِّمُهُ بِسَبَبِ ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فيهِ: فَمَعْلومٌ أنَّ الحَجَّ في أيَّامِنا هذِهِ وَمِنْ قَبْلُ يَحْصُلُ فيهِ مُنْكَراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ حَتَّى إِنَّهُ ومُنْذُ زَمَنٍ قال بَعْضُ العُلماءِ: [ما أكْثَرَ الضَّجيجَ وأقَلَّ الْحَجيجَ]، كُلُّ هَذا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الْحَجِّ أوْ مَنْعِ النَّاسِ مِنْهُ، كَذَلِكَ سائِرُ العِبادَاتِ، كَذَلِكَ الْمولِدُ إنْ حَصَلَ فيهِ مُنكراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ فلا نُحَرِّمُهُ على الإطْلاقِ بَلْ نُحَرِّمُ ما يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ فيهِ مِمَّا يُخالِفُ دينَ الله. ثُمَّ إِنْ حَصَلَ فَسادٌ في مَسْجِدٍ أيُغْلَقُ الْمَسْجِدُ أمْ يُنْهَى عَنِ الفَسَادِ الّذي فُعِلَ فيهِ؟

25- الْحاصِلُ أنَّ عَمَلَ الْمَوْلِدِ خَيْرٌ وبَرَكَةٌ، هَذَا لَيْسَ شَيْئًا يَرُدُّ الأُمَّةَ إِلى الورَاءِ، لَيْسَ شَيئًا يُؤخِّرُ، هَذَا يُجَدِّدُ حُبَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الْمُسْلِمِ، يَبُثُّ فيهِ الشُّعُورَ بِالْحُبِّ للنَّبِيِّ والْمَيْلِ إِلَيْهِ.فَمَا لِهَؤُلاءِ الَّذينَ يُحَارِبُونَ الْمَوْلِدَ وَالْمُحْتَفِلينَ بِهِ وَيُبَدِّعُونَهُمْ وَيُفَسِّقُونَهُمْ بَلْ وَيُكَفِّرُونَهُمْ أَحْيَانًا تَرَكُوا إِنْكَارَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتي هِيَ مُنْكَرَاتٌ حَقًّا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ كَالْكُفْرِ اللَّفْظِيِّ الْمُنْتَشِرِ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَامِّ مِنْ سَبِّ اللهِ وَغَيْرِهِ وَكَتَكْفيرِ الْمُسْلِمينَ بِلا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِالنَّبِيِّ أَوِ الصَّالِحِينَ أَوْ تَبَرَّكُوا بِالنَّبِيِّ أَوْ ءاثَارِهِ أَوْ قَرَءوا الْفَاتِحَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْءَانِ على الْمَيِّتِ، لِمَ لَمْ يُنْكِرُوا هَذَا وَأَنْكَرُوا الاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ الْنَّبِيِّ الَّذي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حِينِ ظُهُورِهِ إِلى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى اسْتِحْسَانِهِ إِنْ خَلا عَنِ الْمُنْكَرَاتِ كَتَحْرِيفِ اسْمِ اللهِ أَوِ الْكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليهِ وسلَّم، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَغِينَةٍ في قُلُوبِهِم تُجَاهَ أَفْضَلِ الْخَلْقِ أَوْ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ حُبِّبَ إِلَيْهِمُ الشَّذُوذُ وَمُخَالَفَةُ الْمُؤمِنينَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لا تَهْواهُ نُفُوسُهُم الْمِعْوَجَّةُ، أَوْ يَكُونُ لِكَلا الأَمْرَيْنِ، وَاللهُ حَسِيبُهُمْ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآلُ.

القام عبدالرحمن دمشقية الحجر في افتراءه على الحافظ ابن حجر


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أظهر دينه فحاطه من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين و سخر لدينه رجالا قام بهم وبه قاموا على الوجه القويم..فكانوا سيوفا مسلطه على أهل البدع والأهواء ومن بدل هذا الدين واصلي واسلم على محمد ابن عبد الله النبي الأمين الذي علم الأمة التوحيد والذي قرن الله اسمه باسمه وقال فيه قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين واصلى واسلم على آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار.

القام عبدالرحمن دمشقية الحجر في افتراءه على الحافظ ابن حجر
(الشيخ الأزهري عفا الله عنه)
قال الجاهل عبد الرحمن الدمشقية
وقد ادعى قوم أن ابن حجر كان أشعري المذهب وهذا قول بلا دليل
وأنا لا أعلم أن ابن حجر نص على مثل ذلك ولا أذكر أنه أحال لمن يريد اتباع السنة
أن يلتحق بالمذهب الأشعري.
ونقول لهم:
1 - إن ابن حجر نقد مبدأ القصد والنظر اللذان هما عند الأشعرية أول الواجب على المكلف فقال :
"هو من أصول مذهب المعتزلة بقي من جملة ما بقي عند الأشاعرة "
لقد سطر الحافظ ابن حجر اعتراف أبي جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب ولو قال: "من أصحابنا" لكان دليلا على أنه أشعري.
- وسفه أبو المظفر بن السمعاني هذا المبدأ الاعتزالي ووصفه بأنه قول مبتدع لم يعرفه السلف الذين كان أول الواجب عندهم الإتيان بالشهادتين .
موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 15
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد نقل احد إخواننا هذا النقل للسؤال عنه في منتدى روض الرياحين بدون ذكر اسم الجهول عبدالرحمن دمشقية وكان شيخنا الأزهري بالمرصاد لكل جاهل مدلس بالعمد من أمثال عبدالرحمن دمشقية وجميع الحشوية التيمون من اتباع قر ن الشيطان محمد ابن عبدالوهاب.
فاليكم رد شيخنا الأزهري حفظه الله والذي امتعنا بدرره والجم دمشقية والقمه الحجر فلله دره.
قال الشيخ الأزهري
((هذا الكلام ليس كله كلام الحافظ بل هو كلام حشوي يحاول استثمار بعض مواطن الخلاف لجانب الحشوية، وعليه يكون الجواب المطلوب والتوضيح ضمن الرد على هذا الحشوي وبعده.
قال:
اقتباس :
اقتباس
وقد ادعى قوم أن ابن حجر كان أشعري المذهب وهذا قول بلا دليل،

أتقول دليل؟؟ ثكلتك أمك لا بل أدلة تستحق أن تفرد في كتاب خاص، ولعلك تجد عند شيوخك الحشوية في هذا الكتاب ما يقنعك، وهذا هو الكتاب الثاني وليس الأخير في سلسلة التحذير من عقيدة الحافظ ابن حجر رحمه الله:


اقتباس :

وأنا لا أعلم أن ابن حجر نص على مثل ذلك ولا أذكر أنه أحال لمن يريد اتباع السنة أن يلتحق بالمذهب الأشعري.



أنت لا تعلم لأنك جاهل، وغيرك يعلم، ونحن نروي المسلسل بالأشاعرة من طريق الحافظ ابن حجر، وتجده في مسلسلات البرهان الكوراني والشاه ولي الله الدهلوي، وتجده في كتاب "حصر الشارد" للعلامة عابد السندي، الذي يقول محققه خليل الجبور:
"أما عقيدته في الأسماء والصفات فلم أطلع على شيء بين مفصل وإنما له المسلسل بالأشاعرة وهذا صريح عبارة لا مفهومها من أنه أشعري المعتقد .."
كما تجده في مسلسلات عبد الباقي اللكنوي فكلهم يروي المسلسل بالأشاعرة من طريق الحافظ ابن حجر ويصفه بالأشعري فهل كذب كل هؤلاء الأئمة الثقات؟!!
ثم من قال بأن أشعرية العالم تعرف بالانتساب للأشعرية تصريحا فقط؟؟ هذا جهل، بل هناك عشرات الأدلة ـ غير التصريح ـ التي تدل على ذلك والجهل بها ليس حجة.
بل إن الحافظ ابن حجر المعتني بصحيح البخاري والمعظم لمؤلفه غاية التعظيم يقول بالنص في فتح الباري:
"مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبي عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم ، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيدة وأمثالهما ، وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما.."

فما معنى هذا الكلام؟؟ ما معنى ذكر استمداد البخاري من الكرابيسي وابن كلاب؟؟؟ هل لا يزال الحافظ غير أشعري بعد هذا؟؟؟
اقتباس :
ونقول لهم:1) إن ابن حجر نقد مبدأ القصد والنظر اللذان هما عند الأشعرية أول الواجب على المكلف"

أول واجب على المكلف ما هو ؟ هذه مسألة مختلف فيها بين أئمة الأشاعرة أنفسهم فإذا مال الحافظ إلى قول منها فهل يعتبر خارجا عن الأشعرية؟ ما أقبح الجهل بصاحبه، فهذا الحشوي جهل مذهب أهل السنة أولا وجهل المختلف فيه والمجمع عليه عندهم ثانيا وبنى على جهله جهالات ثالثا فهذه جهالات بعضها فوق بعض، وأصغر طالب علم أشعري يمكنه فتح شروح الجوهرة ومطالعة الخلاف في تحديد أول واجب على المكلف ما هو هل هو معرفة الله أم النظر أم القصد أم الشهادتان .. والصحيح من هذه الأقوال كلها عند أهل الحق أن أول واجب هو معرفة الله تعالى.
اقتباس :

فقال هو من أصول مذهب المعتزلة بقي من جملة ما بقي عند الأشاعرة



الآن وصل الكذب، فإن هذه العبارة ليست من كلام الحافظ ابن حجر بل هي منسوبة إلى السمناني، والحفاظ نقلها منسوبة إلى السمناني فجعلها هذا الفاشل من كلام الحافظ ابن حجر وهذا كذب صريح، وسيأتي الكلام عليها.
اقتباس :
- لقد سطر الحافظ ابن حجر اعتراف أبي جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب"

إذا كانت هذه عبارة منسوبة إلى السمناني فما دخل الحفاظ ابن حجر تنسبها إليه وتقوله إياها؟
اقتباس :
ولو قال: "من أصحابنا" لكان دليلا على أنه أشعري.-

ليس في عدم ذكره لكلمة أصحابنا ما ينفي أشعريته، وأدلة أشعريته في قوله بأصول الأشعرية أشهر من نار على علم واسأل مشايخك.
اقتباس :

وسفه أبو المظفر بن السمعاني هذا المبدأ الاعتزالي ووصفه بأنه قول مبتدع لم يعرفه السلف الذين كان أول الواجب عندهم الإتيان بالشهادتين



عبارة أبي الظفر التي يقصدها هذا الحشوي هكذا في كلام الحافظ ابن حجر:
"وقال الغزالي : أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين ، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر ، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين ، وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله ، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا : لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها ؛ لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية "
فهذا كلام أبي المظفر وكلام الغزالي قبله إنما هو في الرد على فرقة أبي هاشم المعتزلي القائل بإيجاب علم الدليل التفصيلي الكلامي على العوام بحيث يكفر من لم يحقق ذلك، فهذا الحشوي هنا لا يفهم الكلام أصلا ولا يعرف ماذا يقرأ.
ومادمنا قد فرغنا من الرد على الحشوي فقد بقي أمران:
الأول بيان حقيقة النقل عن السمناني.
الثاني بيان حقيقة قول الحافظ ابن حجر وهل هو مخالف لمذهب الأشاعرة؟
أما المنقول عن السمناني فهو في فتح الباري في موضعين:
الأول: في كتاب الإيمان فنقل كلام إمام الحرمين وكلام غيره وذكر عبارة السمناني منقولة عن الإمام ابن أبي جمرة صاحب "بهجة النفوس"، وقال الحافظ "وسيأتي مزيد بيان لهذا في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى"
والموضع الثاني في كتاب التوحيد وفصل فيه وطول وجاء بالنقول عن السمناني ثانية ولم يذكر ابن أبي جمرة.
فتبين أن الحافظ إنما نقل هذا النقل عن ابن أبي جمرة الأندلسي والعبارة عند ابن أبي جمرة في "بهجة النفوس" 1/41 هكذا:
"وأنا أقول فيها كما قال أبو الوليد الباجي رحمه الله عن شيخه القاضي أبي جعفر السمناني رحمه الله أنه كان يقول بأن النظر والاستدلال أول الواجبات مسألة من الاعتزال بقيت في المذهب لمن اعتقدها"
والآن انظروا الفرق بين هذا النص هنا حول "النظر" وبين الأول وفيه "معرفة الله" !! وبينهما فرق لا يخفى، فإنه لا نزاع في كفر من لم يعرف الله وإنما النزاع في من عرفه دون نظر هل تكفي معرفته وتسمى معرفة أم لا؟
ومع هذا نقول إن هذا الكلام لا نعرف مصدره، وبين ابن أبي جمرة والباجي مفاوز ومساحات زمنية يخشى أن يكون ـ وهو الغالب ـ قد توسط فيها ابن حزم الأندلسي، فإن هذا الأخير قد وقع له كتاب مزور على القاضي السمناني فيه فضائح لا يقول بها مسلم وقد اتفق المحققون على أن ابن حزم ابتلي بأمرين: فهم سقيم، ومواد فاسدة مزورة ينقل منها بثقة، منها كتاب وجده منسوب للإمام السمناني، فيه فضائح وشنائع على الأئمة لا توجد في كتبهم ولا تعرف عنهم ولا ينطق بها مسلم أصلا كما قاله غير واحد من الأئمة كابن طلحة واللبلي والسبكي وغيرهم ..
وعلى فرض صحته عن السمناني فهذا السمناني أشعري كبير مشهور منسوب إلى الأشعري باتفاق وقد اختار أن معرفة الله موجودة بالفطرة في الإنسان فلا يحتاج إلى نظر واستدلال لصحة إيمانه وقد رأينا مثل هذا معزوا إلى الإمام القشيري والغزالي وابن رشد وابن أبي جمرة وجماعة غيرهم كلهم أشاعرة باتفاق .. فإن اختار الحافظ ابن حجر هذا القول معهم فكيف يكون اختياره هذا دالا على أنه ليس أشعريا ؟؟!! اللهم ثبت العقول.

والتحقيق هنا أن نقول بأن هذه المسألة أعني تحديد أول واجب على المكلف ومسألة وجوب النظر من عدمها مسألة اختلف فيها أئمتنا قديما وقد عرف الأشاعرة المحققون هذا الخلاف وحكوه في كتبهم ـ ولم يجهلوه ـ ثم اختاروا ما دل عليه الكتاب والسنة، فيقول الإمام السنوسي في مقدمته:
((وذهب غير الجمهور إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان بل وليس بواجب أصلا وإنما هو من شروط الكمال فقط، وقد اختار هذا القول الشيخ العارف الولي ابن أبي جمرة والإمام القشيري والقاضي أبو الوليد بن رشد والإمام أبو حامد الغزالي وجماعة، والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وجوب النظر الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان أو لا والراجح أنه شرط في صحته))اهـ.
فبهذا تبين أن المسألة في ذاتها معلومة الخلاف منذ القدم وأن اختيار من اختارها لم يكن موافقة للمعتزلة بل للكتاب والسنة، والقول لا يقبح ولا يحسن بكونه من مقولات المعتزلة أو غيرهم بل بموافقته للكتاب والسنة أو مخالفته إياهما ..
وأما ما هو اختيار الحافظ ابن حجر على التحقيق فاعلم أن الحافظ ذكر المسألة في موضعين كما تقدم قال في الأول منهما :
((ومع ذلك فقول الله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) . وحديث " كل مولود يولد على الفطرة " ظاهران في دفع هذه المسألة من أصلها ، وسيأتي مزيد بيان لهذا في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى))اهـ.
يفهم من هذا النص أن الحافظ يعتقد أن المعرفة تكون موجودة بالفطرة في الإنسان، وللتحقق من ذلك انتقلنا إلى إحالته من كتاب التوحيد فوجدناه نقل نقولا كثيرة كرر فيها الآية والحديث وقال:
"وقد ذكرت في " كتاب الإيمان " من أعرض عن هذا من أصله وتمسك بقوله تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها } وحديث " كل مولود يولد على الفطرة " فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة ، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله عليه الصلاة والسلام " فأبواه يهودانه وينصرانه " وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رءوس الأشاعرة على هذا وقال : إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة ؛ وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه ، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى"
فقد يفهم من هذا أن الحافظ يميل إلى أن المعرفة لا تحتاج إلى نظر بل هل من الفطرة، ولكنا وجدناه قال الآتي:
"وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه : أن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب وتباينت بين مفرط ومفرط ومتوسط ،
فالطرف الأول : قول من قال يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك عنه ، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة والظاهرية.
ومنهم من بالغ فحرم النظر في الأدلة واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار من ذم الكلام كما سيأتي بيانه .
والطرف الثاني : قول من وقف صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة من علم الكلام ، ونسب ذلك لأبي إسحاق الإسفراييني [وأنا أظن الحافظ هنا أو شيخه قد وهم والصواب لأبي هاشم ابن الجبائي ]، وقال الغزالي : أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين ، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر ، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين ، وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله ، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا : لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها ؛ لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية .
وأما المذهب المتوسط فذكره وسأذكره ملخصا بعد هذا ))اهـ.
ولم ينقل الحافظ ابن حجر المذهب المتوسط الذي ذكره عن شيخ شيوخه العلائي مباشرة بل نقل كلاما كثيرا ثم وصل إلى المذهب المتوسط فقال:
" ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي يمكن أن يفصل فيقال : من لا أهلية له لفهم شيء من الأدلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه ، فإنه يكتفى منه بذلك ، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل ، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر ، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه ، قال : فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة ، وأما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه ، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين ، وكذا من غلا أيضا فقال لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر انتهى ملخصا "
فهذا الكلام هو آخر ما حط عليه نظر الحافظ ابن حجر، فيشبه أن يكون قوله إما هذا فيكون راجحا، وإما الأول موافقة لابن أبي جمرة والغزالي وابن رشد والقشيري والسمناني وغيرهم فيكون مرجوحا وعلى كل حال فهو لا يخرج عن قول الأشعرية لا كما زعم الحشوي الجاهل.
وهذا المعزو إلى هؤلاء أيضا عهدته على من عزاه ولعلنا لو حققنا مذهب كل واحد منهم لتبين خلاف ما نسب إليه والله أعلم.
والإمام الباجوري تعرض لقول الحافظ ابن حجر هذا ونقله في شرح قول اللقاني: "ففيه بعض القوم يحكي الخلفا" فانظر إلى جهل الحشوي بكلام أئمتنا ثم تصدره للحديث عن مذهبهم وموافقة الحافظ أو عدمها ؟؟!!!


الرد علي ابي اسحاق الحويني الوهابي والوهابية في مهاجمة الشيخ علي جمعة في قصة شرب بول النبي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرد على ابي اسحاق الحويني الوهابي والوهابية في مهاجمة الشيخ علي جمعة في قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم
وطهارة بول النبي صلى الله عليه وسلم



أبو اسحاق الحويني الكذاب منتقص سيدنا رسول الله صلى الله عليه هو والحشوية من أدعياء السلفية الطائفة الوهابية اخزاهم الله طالت السنتهم سيدي شيخ الإسلام علي جمعة مفتي مصر بسبب قوله في طهارة بول النبي صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء أدعياء السلفية الوهابية الإرهابية المنتقصين لقدر النبي صلى الله عليه وسلم وهو روحي فداه طيب لا يخرج ولا ينزف ولايبرز ولايفيح ولايظهر منه إلا طاهراً وزكيأ وطيباً وكمالاً (صلى الله عليه وآله وسلم). ينكرون طهارة بول نبيهم وسيدهم خير الخلق اجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا البحث سنرى جهل ابو اسحاق الحويني التكفيري الجهول الذي لا يفقه شئ في كتاب الله ولا في سنة نبيه وسنرى مدى جهل هذه المجلة التي تنشر الإرهاب في مصر الحبيبة المسماة بمجلة التوحيد وهي مجلة هدم التوحيد فلا تنشر غير الانتقاص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنشر غير عقيدة المجسمة قاتلهم الله واخزاهم.
فأدعياء السلفية قد تشابهت قلبوهم مع قلوب العلمانية والإلحاد واتفقوا معها في رفض تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ولا الأدب في الحديث عنه وورثوا الجفاء لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الالحاد وعن هذا تصدر تصرفاتهم ومواقفهم !!

والان الرد على أبي اسحاق الحويني واتباعه الجهلاء من مجلة أنصار السنة المسماة زورا وكذبا بمجلة التوحيد.
وهو للشيخ أشرف الأشعري
حفظه الله
قال
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد
فقد قرأت في مجلة أنصار السنة المسماة زورا وكذبا بالتوحيد والأليق بها أن تسمى التوحيل، قرأت فيها مقالا بعنوان القول الجلي في قصة شرب بول النبي لأحد مدعي السلفية واسمه علي إبراهيم حشيش، وقد بنى بحثه على قصة أم أيمن من طريق عبد الملك بن الحسين أبي مالك النخعي، لأنه يعلم أنه ضعيف باتفاق، ولم يذكر كلمة واحدة عن بقية طرق حديث ام أيمن الصحيحة، ولا عن بقية الوقائع الثابتة الصحيحة في نفس الموضوع ولم يستوعب أقوال أهل العلم ولا طرق التخريج، ومن المعلوم بداهة لدى صغار الطلبة أن الذي يلريد أن يحكم على حديث بالصحة والضعف فلابد له من استيعاب الطرق، ثم الكلام على كل طريق على حدة... وهكذا، وسيتضح لك أخي الكريم مدى نزاهة الباحث أو قل عدم نزاهته ومدى إخفائه ما يعلم يقينا أنه ضد رأيه ومذهبه، غاية من هنالك أنه رأى أن الأسنة والرماح قد انحدرت على فضيلة المفتي من كل حدب وصوب من العلمانيين والجهال والوهابية فأراد الرجل أن يرمي بسهم مخافة أن يفوته الرمي فغفل عن موقفه أمام الله سبحانه وتشبه بأحبار اليهود الذين وضعوا أيديهم على آية القطع، عموما هذا الخلق ليس جديدا عليهم وإن هذه السهام الغادرة التي وجهت في الحقيقة لا للمفتي فحسب وإنما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغرض الحط من مقامه الشريف ولكن هيهات هيهات سيقف الجميع أمام الله سبحانه وتعالى، وسيندم كل من انتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسترتد هذه السهام في وجوه وصدور من رماها، وقبل أن أسوق لكم تخريج الحديث كاملا أحب أن أذكر أيضا أن أبا إسحاق الحويني أيضا قد قال في قناة الناس إن الحديث باطل وموضوع وسلم لي على الأمانة العلمية السلفية.
وإليكم إخواني الكلام على الحديث مما وقفت عليه من كلام أهل العلم الرجا نشرها في جميع المنتديات ليعم الأجر .
أحاديث شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم
قضية شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم مداره على قصتين:
القصة الأولى: شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم وهذه القصة وردت من طريقين:
الأول: طريق أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن:
وإليك بعض الكتب التي ذكرت هذه الطريق:
أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ثنا عبد الله بن روح المدائني ثنا شبابة ثنا أبو مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة من جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشى فشربت من في الفخارة وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أم أيمن، قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها». قلت: قد والله شربت ما فيها قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «أما إنك لا يفجع بطنك بعده أبدًا».
أخرجه الحاكم في «مستدركه» (4/ 70) حديث (6912).

حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا إسحاق بن بهلول ثنا شبابة بن سوار ثنا عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت فقام من الليل فبال في فخارة فقمت وأنا عطشى لم أشعر ما في الفخارة فشربت ما فيها فلما أصبحنا قال لي: «يا أم أيمن، أهريقي ما في الفخارة». قلت: والذي بعثك بالحق شربت ما فيها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «أما إنه لا يتجعن بطنك بعده أبدًا».
أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (2/ 67).

حدثنا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ثنا عُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ ثنا شَبَابَةُ بن سَوَّارٍ حدثني أبو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عَنِ الأَسْوَدِ بن قَيْسٍ عن نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ عن أُمِّ أَيْمَنَ قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ إلى فَخَّارَةٍ في جَانِبِ الْبَيْتِ فَبَالَ فيها فَقُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ وأنا عَطْشَانَةُ فَشَرِبْتُ ما فيها وأنا لا أَشْعُرُ فلما أَصْبَحَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أُمَّ أَيْمَنَ، قَوْمِي فَأَهْرِيقِي ما في تِلْكَ الْفَخَّارَةِ». قلت: قد وَالله شَرِبْتُ ما فيها. قالت: فَضَحِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قال: «أما إنك لا تَتَّجِعِينَ بَطْنَكِ أبدًا».
أخرجه الطبراني في «الكبير» (25/ 89) حديث (230).
وهذا السند ضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 271) بأبي مالك النخعي.
فأبو مالك النخعي اسمه عبد الملك بن حسين متفق على ضعفه( ).
الثاني: طريق الحسين بن حريث عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن:
وجاء في «تاريخ دمشق» (4/ 303) ما نصه: «أخبرتنا أم المجتبى فاطمة بنت ناصر قالت قرئ على إبراهيم بن منصور السلمي أنا أبو بكر بن المقرئ أنا أبو يعلى نا محمد بن أبي بكر المقدمي نا سلم بن قتيبة عن الحسين بن حريث عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها فكان إذا أصبح يقول: «يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة». فقمت ليلة وأنا عطشى فغلطت فشربت ما فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة». فقلت: يا رسول الله، قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها. فقال: «إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا».

وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (5/ 326): «وقال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا سلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالـت: كان لرسول الله فخارة يبول فيها، فكان إذا أصـبح يقول: «يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة». فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها، فقال رسول الله: «يا أم أيمن، صبي ما في الفخارة». فقالت: يا رسول الله، قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها. فقال: «إنك لن تشـتكي بطنك بعد يومك هذا أبدًا».
وقال ابن حجر في «الإصابة» (8/ 171): «وأخرج ابن السكن من طريق عبد الملك بن حصين عن نافع بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها بالليل فكنت إذا أصبحت صببتها فنمت ليلة وأنا عطشانة فغلطت فشربتها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنك لا تشتكين بطنك بعد هذا».
القصة الثانية: شرب بركة أم يوسف لبول النبي صلى الله عليه وسلم:
وإليك بعض الكتب التي ذكرت هذه الطريق:

أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة ثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن حامد العطار ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ثنا يحيى بن معين عن حجاج عن ابن جريج قال: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أميمة أمها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثم وضع تحت سريره فبال فوضع تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: «أين البول الذي كان في هذا القدح؟» قالت: شربته يا رسول الله.
أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 67) حديث (13184).

حدثنا أَحْمَدُ بن زِيَادٍ الْحَذَّاءُ الرَّقِّيُّ ثنا حَجَّاجُ بن مُحَمَّدٍ عَنِ ابن جُرَيْجٍ قال حَدَّثَتْنِي حُكَيْمَةُ بنتُ أُمَيْمَةَ بنتِ رُقَيْقَةَ عن أُمِّهَا أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَبُولُ في قَدَحِ عِيدَانٍ ثُمَّ يَرْفَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَبَالَ فيه ثُمَّ جاء فَأَرَادَهُ فإذا الْقَدَحُ ليس فيه شَيْءٌ فقال لامْرَأَةٍ يُقَالُ لها بَرَكَةُ كانت تَخْدُمُ أُمَّ حَبِيبَةَ جَاءَتْ بها من أَرْضِ الْحَبَشَةِ: «أَيْنَ الْبَوْلُ الذي كان في الْقَدَحِ؟» قالت: شَرِبَتُهُ فقال لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ.
أخرجه الطبراني «الكبير» (24/ 189).

حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ ثنا يحيى بن مَعِينٍ ثنا حَجَّاجُ بن مُحَمَّدٍ عَنِ ابن جُرَيْجٍ عن حُكَيْمَةَ بنتِ أُمَيْمَةَ عن أُمِّهَا أُمَيْمَةَ قالت: كان لِلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ من عِيدَانٍ يَبُولُ فيه وَيَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَقَامَ فَطَلَبَ فلم يَجِدْهُ فَسَأَلَ فقال: «أَيْنَ الْقَدَحُ؟» قالوا: شَرِبَتْهُ بَرَّةُ خَادِمُ أُمِّ سَلَمَةَ التي قَدِمَتْ مَعَهَا من أَرْضِ الْحَبَشَةِ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لَقَدِ احْتَظَرَتْ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ.
أخرجه الطبراني «الكبير» (24/ 205).

حدثنا علي بن ميمون العطار ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريح قال: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان يبول فيه ثم يوضع تحت سريره فجاءت امرأة يقال لها بركة جاءت مع أم حبيبة من الحبشة فشربته فطلبه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: شربته بركة فسألها فقالت شربته فقال: «لقد احتضرتي من النار بحضار». أو قال: «جنة». أو هذا معناه.
أخرجه أبو بكر الشيباني في «الآحاد والمثاني» (6/ 121) حديث (3342).

وجاء في «تاريخ دمشق» (69/ 50- 51 ) ما نصه: «وأخبرنا أبو القاسم تميم بن أبي سعيد أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن أنبأ أبو عمرو بن حمدان أنا أبو يعلى الموصلي قالا نا يحيى بن معين نا حجاج عن ابن جريج قال حدثتني حكيمة بنت أميمة عن أميمة أمها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: «أين البول الذي كان في القدح؟» قالت: شربته يا رسول الله. أخبرنا به أتم من هذا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد أنا شجاع بن علي أنا أبو عبد الله بن منده أنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم نا هلال بن العلاء نا حجاج بن محمد نا ابن جريج أن حكيمة بنت أميمة أخبرته عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير فجاءت امرأة يقال لها بركة قدمت مع أم حبيبة من الحبشة فشربته فطلبه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجده فقيل شربته بركة فقال لها: «لقد احتظرت من النار بحظار».

وقال المزي في «تهذيب الكمال» (35/ 156) في ترجمة حكيمة بنت أميمة: «وقد وقع لنا حديثها بعلو أخبرنا بها أبو الحسن بن البخاري وشامية بنت الحسن بن البكري قالا أخبرنا أبو حفص بن طبرزد قال أخبرنا أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن قال أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون قال أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الحربي قال أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره قال فوضع تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: «أين البول الذي كان في القدح؟» قالت: شربته يا رسول الله. أخرجاه من حديث حجاج مختصرا ليس فيه قصة بركة فوقع لنا بدلا عاليا ورواه هلال بن العلاء الرقي عن حجاج بن محمد نحوه وزاد في آخره فقال لقد احتظرت من النار بحظار أو جنة أو نحو هذا».
من صحح قصة شرب بركة لبول النبي صلى الله عليه وسلم:
1- الدارقطني:
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (1/ 485): «وذكر الدارقطني أن حديث المرأة التي شربت بوله صحيح».
2- عبد الحق الإشبيلي:
حيث قال: «ومما يلحق بالصحيح- على ما قاله الدارقطني- حديث أميمة بنت رقيقة كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه». «البدر المنير» (1/ 485).
3- ابن الصلاح:
حيث قال: «هذا حديث ورد متلوِّنًا ألوانًا ولم يخرج في الكتب الأصول فروي بإسنادٍ جيدٍ عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ويوضع تحت السرير فبال فيه ليلة فوضع تحت السرير فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة البول الذي كان في القدح ما فعل قالت شربته يا رسول الله زاد بعضهم فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم وفي رواية لأبي عبد الله بن منده الحافظ لقد احتظرت من النار بحظار فهذا القدر منه اتفقت عليه الروايات وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه». «البدر المنير» (1/ 484- 485).
4- الهيثمي:
ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 270- 271) حديث حكيمة بنت أميمة عن أمها ثم قال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وكلاهما ثقة».
5- السيوطي:
قال السيوطي في «الخصائص الكبرى» (2/ 441): «وأخرج الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل عنه فقال أين القدح قالوا: شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد احتظرت من النار بحظار».

الكلام حول التي شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم هل هي امرأة واحدة أم اثنتان؟

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (5/ 326): «وقال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا مسلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت كان لرسول الله فخارة يبول فيها فكان اذا أصبح يقول يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال رسول الله يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقالت يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا قال ابن الأثير في الغابة وروى حجاج ابن محمد عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها بنت رقية قالت كان للنبي قدح من عيدان فيبول فيه يضعه تحت السرير فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته فطلبه فلم يجده فقيل شربته بركة فقال لقد احتظرت من النار بحظار. قال الحافظ أبو الحسن ابن الأثير: وقيل: إن التي شربت بوله إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة وفرق بينهما فالله أعلم».

وقال ابن حجر في «الإصابة» (8/ 171- 172): «وأخرج ابن السكن من طريق عبد الملك بن حصين عن نافع بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها بالليل فكنت إذا أصبحت صببتها فنمت ليلة وأنا عطشانة فغلطت فشربتها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنك لا تشتكين بطنك بعد هذا قلت وهذا يحتمل أن تكون قصة أخرى غير القصة التي اتفقت لبركة خادم أم حبيبة كما تقدم في ترجمتها لكن ادعى ابن السكن أن بركة خادم أم حبيبة كانت تكنى أيضًا أم أيمن أخذًا من هذا الحديث».

وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» بعد أن أورد حديث أبي مالك النخعي وضعفه: «وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى رَوَاهَا عبد الرَّزَّاقِ عن ابن جُرَيْجٍ أُخْبِرْتُ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَبُولُ في قَدَحٍ من عَيدَانٍ ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَجَاءَ فإذا الْقَدَحُ ليس فيه شَيْءٌ فقال لِامْرَأَةٍ يُقَالُ لها بَرَكَةُ كانت تَخْدُمُ أُمَّ حَبِيبَةَ جَاءَتْ مَعَهَا من أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَيْنَ الْبَوْلُ الذي كان في الْقَدَحِ قالت شَرِبْته قال صِحَّةً يا أُمَّ يُوسُفَ وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ يُوسُفَ فما مَرِضَتْ قَطُّ حتى كان مَرَضُهَا الذي مَاتَتْ فيه وَرَوَى أبو دَاوُد عن مُحَمَّدِ بْن عِيسَى بن الطَّبَّاعِ وَتَابَعَهُ يحيى بن مَعِينٍ كِلَاهُمَا عن حَجَّاجٍ عن ابن جُرَيْجٍ عن حُكَيْمَةَ عن أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ أنها قالت كان لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ من عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فيه بِاللَّيْلِ وَهَكَذَا رَوَاهُ ابن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أبو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ في مُسْتَدْرَكِهِ الذي خَرَّجَهُ على إلْزَامَاتِ الدَّارَقُطْنِيُّ لِلشَّيْخَيْنِ وَصَحَّحَ بن دِحْيَةَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ وهو وَاضِحُ من اخْتِلَافِ السِّيَاقِ وَوَضَّحَ أَنَّ بَرَكَةَ أُمَّ يُوسُفَ غَيْرُ بَرَكَةَ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ».

وجاء في «البدر المنير» (1/ 481- 489) ما نصه: «الحديث التاسع: أن أمَّ أيمن شربت بول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذنْ لا تلج النار بطنك. ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليها هذا الحديث رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك والدارقطني في سننه وقال في علله إنَّه مضطرب وأنَّ الاضطراب جاء من جهة أبي مالك النخعي راويه وأنه ضعيف وقال ابن دحية في كتاب الآيات البَيَّنات. رواه عبد الرزاق عن العدل ابن جريج قال أُخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عَيْدان ثمَّ يوضع تحت سريره قال فَوُضِعَ تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة- كانت تخدم لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة - أين البول الذي كان في القدح قالت شربته قال صحة يا أم يوسف - وكانت تُكَنَّى أم يوسف - فما مَرضَت قط حتَّى كان مرضها الذي ماتت فيه. قال ابن دحية: إنْ كان عبد الرزاق قال أُخبرت فقد أسنده يحيى بن معين عن حجاج عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة قال وفي الطبراني عن ابن شهاب قال كانت أم أيمن - أم أسامة - من الحبشة حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت ليلاً وهي عطشانة بعدما بال في فَخَّارة الحديث وقال الشيخ تقي الدين في الإِمام: رواه الطبراني من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نُبَيْح العنزي عن أم أيمن قَالَت قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فَخَّارة في جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أم أيمن، قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة قلت: قد والله شَرِبْتُ ما فيها قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى بدت نواجذه ثم قال: أما إنَّه- والله- لا يَيجَعَنَّ بطنك أبدًا. وكذا رأيته أنا في أكبر معاجمه. قال الشيخ: أبو مالك النخعي ضعَّفه الرازيان أبو حاتم وأبو زرعة وقال يحيى: ليس بشيء. والأسود بن قيس ثقة وثَّقه يحيى وأبو حاتم. ونبيح العنزي سُئِلَ أبو زرعة عنه فقال كوفي ثقة لم يرو عنه غير الأسود بن قيس. قال وينبغي أن يُنْظَر في اتصال هذا الإِسناد فيما بين نبيح وأم أيمن فإنَّهم اختلفوا في وقت وفاتها فروى الطبراني عن الزهري أنها توفَّيَتْ بعد رسول الله بخمسة أشهر. قلت وقيل سنة حكاه ابن الأثير وقال الواقدي توفيت في خلافة عثمان وهو شاذ. وقال الشيخ وروي في الحديث أنها عاشت بعد عمر بن الخطاب وقالت يوم قتله اليوم وَهَى الإِسلام. قال فإنْ كان الأمر على ما نَقَل الزهري يدركها نبيح وإنْ كان الآخر فيُنظر في ذلك.

وقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في كلامه على الوسيط- عند قول حجة الإِسلام فيه رُوي أن أم أيمن شربَتْ بول النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليها وقال إذًا لا تلج النار بطنك: هذا حديث ورد متلوِّنًا ألوانًا ولم يخرج في الكتب الأصول فروي بإسنادٍ جيدٍ عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ويوضع تحت السرير فبال فيه ليلة فوضع تحت السرير فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة البول الذي كان في القدح ما فعل قالت شربته يا رسول الله زاد بعضهم فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم وفي رواية لأبي عبد الله بن منده الحافظ لقد احتظرت من النار بحظار فهذا القدر منه اتفقت عليه الروايات وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه قلت وأمر آخر وهو جهالة حكيمة بنت أميمة فإنَّه لا يُعرف لها حال. قال: وذكر الدارقطني أن حديث المرأة التي شربت بوله صحيح. قلت لعله قاله تبعًا لعبد الحق حيث قال: ومما يلحق بالصحيح- على ما قاله الدارقطني- حديث أميمة بنت رقيقة كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه. واعترض عليه ابن القطان بأن قال لَمْ يقض عليه الدارقطني بصحة ولا يصح له ذلك إنما ذكر أنها فيمن يلزم الشيخين إخراج حديثها ولم ينصّ في حكيمة بتعديل ولا تجريح فالحديث متوقف الصحة على العلم بحال حكيمة فإنْ ثبت ثقتها ثبتت روايتها وهي لم تثبت واعتماد الدارقطني في ذلك غير كاف. قلت قد ذكرها ابن حبان في ثقاته فثبتت والحمد لله.

قال الشيخ تقي الدين قال وروى أبو نعيم الحافظ في كتابه حلية الأولياء من حديث الحسن بن سفيان صاحب المسند بإسناد عن أم أيمن قالت بات رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت فقام من الليل فبال في فَخَّارة فَقُمْتُ وأنا عطشى لم أشعر ما في الفَخَّارة فشربت ما فيها فلما أصبحنا قال لي يا أم أيمن أريقي ما في الفخارة قلت والذي بعثك بالحق شربتُ ما فيها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى بَدَت نواجذه ثم قال إنَّه لا يَيْجَعَنَّ بطنك بعده أبدًا. قلت وهذا اللفظ هو لفظ الحاكم أبو عبد الله في المستدرك في ترجمتها لكن بإسناد الطبراني المتقدم سواء. قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فالاستدلال بذلك إذًا يحتاج إلى أن يُقال فيه لم يأمرها النبي بغسل فمها ولا نهاها عن عودة. قال وكون المرأة أم أيمن مولاة رسول الله قد يُظنُّ من حيث إن اسمها بركة وفي الحديث تسمية المرأة الشاربة بركة ولا يثبت ذلك بذلك فإنَّ في الصحابيات أُخرى اسمها بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب هاجَرَتْ إلى أرض الحبشة وما في الحديث من نسبتها إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان يدل على أنها بنت يسار. قال ويجوز في قوله النار النصب مع الرفع في قوله بطنك ويجوز العكس. قلت حكى ابن الأثير خلافًا في أنَّ أم أيمن بركة مولاة رسول الله وحاضنته هي التي شَرِبَتْ بوله أو بركة جارية أم حبيبة. وبالأول جزم أبو نعيم في معرفة الصحابة في ترجمتها.

وذكر الطبراني في أكبر معاجمه من طريقين أنَّ الذي شربه برة خادم أم سلمة بعد أن عقد ترجمتها وهو غريب. وقال ابن عبد البر لعل بركة هذه - يعني المتقدمة - أم أيمن. قال ابن دحية في كتابه الآيات البينات ليس كذلك إنما هي بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن صخر بن حرب هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها قيس بن عبد الله الأسدي. قال والعجب من ابن عبد البر حيث ذَكَرَها مع زوجها في حرف القاف ثم شكَّ الآن فيها وظنَّها أم أيمن وأم أيمن هي بركة بنت ثعلبة زوج عبيد الحبشي تُعرف بأُم الظباء هاجرت الهجرتين وصلت القبلتين و ابنها أيمن قُتل شهيدًا يوم حنين. وقال وظهر مما قلناه أن في ذلك قصتين إحداهما في قدح من عيدان والراوية أم يوسف والثانية في فَخَّارة والراوية أم أيمن بركة بنت ثعلبة وإنَّما أشكل ذلك على الرواة من حيث أن اسم كل واحدة منهما بركة وكلتاهما من الموالي فهذه مولاة رسول الله وتلك مولاة أبي سفيان وكلتاهما ممن هاجر إلى أرض الحبشة من النساء مع الأزواج فاشتبه أمرهما وقد تبيَّن الفرق بينهما. قال وقوله لا يَيْجَعَنَّ بطنك على مثال لا تشتكين قال اللغويون هو اسم لجميع المرض كله».

وعن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل فقال أين القدح قالوا شربته سرة خادم أم سلمة التي قدمت معها.

نقولٌ وردت فيها قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال بدر الدين العيني في «عمدة القارئ» (3/ 35): «وقال بعض شراح البخاري في بوله ودمه وجهان والأليق الطهارة وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها وزعم نجاستها بالاتفاق قلت يا للغزالي من هفوات حتى في تعلقات النبي عليه الصلاة والسلام وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبي عليه الصلاة والسلام منهم أبو طيبة الحجام وغلام من قريش حجم النبي عليه الصلاة والسلام وعبد الله بن الزبير شرب دم النبي عليه الصلاة والسلام رواه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه شرب دم النبي عليه الصلاة والسلام وروي أيضًا أن أم أيمن شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم وأخرج الطبراني في الأوسط في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ماء غسل به رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال لها حرم الله بدنك على النار وقال بعضهم الحق أن حكم النبي عليه الصلاة والسلام كحكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية إلاَّ فيما يخص بدليل قلت يلزم من هذا أن يكون الناس مساويين للنبي عليه الصلاة والسلام ولا يقول بذلك إلاَّ جاهل غبي وأين مرتبته من مراتب الناس ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالنقل دائماً والعقل له مدخل في تميز النبي عليه الصلاة والسلام من غيره في مثل هذه الأشياء وأنا اعتقد أنه لا يقاس عليه غيره وإن قالوا غير ذلك فأذني عنه صماء».
الخلاصة:
أن قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم قد وردت لامرأتين:

المرأة الأولى: أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواية أم أيمن وردت من طريقين؛ أحدهما: طريق أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن، وأبو مالك النخعي متفق على ضعفه، والثاني: طريق الحسين بن حريث عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن وقد أخرجه أبو يعلى وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ولم يتكلم أحد على هذا الطريق.
والمرأة الثانية: بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب وحديثها قد صححه كل من الدارقطني وعبد الحق الإشبيلي وابن الصلاح والهيثمي والسيوطي.

ولم أقف على قولٍ لأحد من العلماء ينكر ثبوت قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ثم فإن قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما يتعلق بها من أحكام، وهذه الأحكام ما هي إلا فهم للحديث الوارد.
الشيخ أشرف الأشعري
حفظه الله

ونزيد
اقوال العلماء بطهارة فضلات النبي صلى الله عليه وسلم
الحنفية:
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين 2/ 331:
"فضلاته عليه الصلاة والسلام طاهرة كما جزم به البغوي وغيره وهو المعتمد لأن أم أيمن بركة الحبشية شربت بوله صلى الله عليه وسلم فقال: لن يلج النار بطنك صححه الدارقطني، وقال أبو جعفر الترمذي: دم النبي صلى الله عليه وسلم طاهر؛ لأن أبا طيبة شربه وفعل مثل ذلك ابن الزبير وهو غلام حين أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دم حجامته ليدفنه فشربه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من خالط دمه دمي لم تمسه النار، وهذه الأحاديث مذكورة في كتب الحديث الصحيحة وذكرها فقهاؤنا وتبعهم الشافعية كالشربيني في شرح الغاية وفقهاء المالكية, والحنابلة فكانت كالمجمع عليها فحيث ثبت أن فضلاته عليه الصلاة والسلام تنجي من النار فكيف من ربي من دمها ولحمها وربي في بطنها ومن كان أصل خلقته الشريفة منه يدخل النار هذا ما جرى به لسان القلم".

المالكية:
- وحكى الخلاف في طهارة الحدثين من النبي صلى الله عليه وسلم القاضي عياض في الشفا في فصل نظافة جسمه صلى الله عليه وسلم وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد، وأمعن في الاستدلال للقول بالطهارة. [الشفا 1/ 353 وما بعدها ، مع شرح الخفاجي]

- وقال الإمام أبو بكر ابن العربي: "بول النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه طاهران". نقله عنه الملا علي القاري في شرح الشفا مطبوع بهامش شرح الخفاجي 1/ 354.

الشافعية:
- وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب 3/ 106:
"( وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه ) روى الدارقطني أن أم أيمن شربت بوله فقال إذا لا تلج النار بطنك. لكنه ضعيف , وروى ابن حبان في الضعفاء أن غلاما حجم النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجامته شرب دمه فقال ويحك ما صنعت بالدم قال: غيبته في بطني قال اذهب فقد أحرزت نفسك من النار, قال شيخنا المذكور آنفًا: وكأن السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه".

- وقال العلامة الشربيني في الإقناع 1/ 314، 315 مع حاشية البيجرمي:
"فائدة: هذه الفضلات من النبي صلى الله عليه وسلم طاهرة كما جزم به البغوي وغيره, وصححه القاضي وغيره وهو المعتمد خلافًا لما في الشرح الصغير , والتحقيق من النجاسة".

الحنابلة:
قال البهوتي في كشاف القناع 5/ 31:
"( والنجس منا طاهر منه ) صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء وبجواز أن يستشفى ببوله ودمه ... قال الحافظ ابن حجر وكان السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه"
ــــــــــــــــ
فوائد
قال المزي في «تهذيب الكمال» (35/ 156) في ترجمة حكيمة بنت أميمة: «وقد وقع لنا حديثها بعلو أخبرنا بها أبو الحسن بن البخاري وشامية بنت الحسن بن البكري قالا أخبرنا أبو حفص بن طبرزد قال أخبرنا أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن قال أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون قال أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الحربي قال أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة أن النبي كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره قال فوضع تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: «أين البول الذي كان في القدح؟» قالت: شربته يا رسول الله. أخرجاه من حديث حجاج مختصرا ليس فيه قصة بركة فوقع لنا بدلا عاليا ورواه هلال بن العلاء الرقي عن حجاج بن محمد نحوه وزاد في آخره فقال لقد احتظرت من النار بحظار أو جنة أو نحو هذا».
من صحح قصة شرب بركة لبول النبي
- الدارقطني:
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (1/ 485): «وذكر الدارقطني أن حديث المرأة التي شربت بوله صحيح».
- عبد الحق الإشبيلي:
حيث قال: «ومما يلحق بالصحيح- على ما قاله الدارقطني- حديث أميمة بنت رقيقة كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه». «البدر المنير» (1/ 485).
- ابن الصلاح:
حيث قال: «هذا حديث ورد متلوِّنًا ألوانًا ولم يخرج في الكتب الأصول فروي بإسنادٍ جيدٍ عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة أن النبي كان يبول في قدح من عيدان ويوضع تحت السرير فبال فيه ليلة فوضع تحت السرير فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة البول الذي كان في القدح ما فعل قالت شربته يا رسول الله زاد بعضهم فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم وفي رواية لأبي عبد الله بن منده الحافظ لقد احتظرت من النار بحظار فهذا القدر منه اتفقت عليه الروايات وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه». «البدر المنير» (1/ 484- 485).
- الهيثمي:
ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 270- 271) حديث حكيمة بنت أميمة عن أمها ثم قال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وكلاهما ثقة».
- السيوطي:
قال السيوطي في «الخصائص الكبرى» (2/ 441): «وأخرج الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل عنه فقال أين القدح قالوا: شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي لقد احتظرت من النار بحظار».
التي شربت بول النبي هل هي امرأة واحدة أم اثنتان؟
قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (5/ 326): «وقال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا مسلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت كان لرسول الله فخارة يبول فيها فكان اذا أصبح يقول يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال رسول الله يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقالت يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا قال ابن الأثير في الغابة وروى حجاج ابن محمد عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها بنت رقية قالت كان للنبي قدح من عيدان فيبول فيه يضعه تحت السرير فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته فطلبه فلم يجده فقيل شربته بركة فقال لقد احتظرت من النار بحظار. قال الحافظ أبو الحسن ابن الأثير: وقيل: إن التي شربت بوله إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة وفرق بينهما فالله أعلم».


قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» بعد أن أورد حديث أبي مالك النخعي وضعفه: «وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى رَوَاهَا عبد الرَّزَّاقِ عن ابن جُرَيْجٍ أُخْبِرْتُ أَنَّ النبي كان يَبُولُ في قَدَحٍ من عَيدَانٍ ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ فَجَاءَ فإذا الْقَدَحُ ليس فيه شَيْءٌ فقال لِامْرَأَةٍ يُقَالُ لها بَرَكَةُ كانت تَخْدُمُ أُمَّ حَبِيبَةَ جَاءَتْ مَعَهَا من أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَيْنَ الْبَوْلُ الذي كان في الْقَدَحِ قالت شَرِبْته قال صِحَّةً يا أُمَّ يُوسُفَ وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ يُوسُفَ فما مَرِضَتْ قَطُّ حتى كان مَرَضُهَا الذي مَاتَتْ فيه وَرَوَى أبو دَاوُد عن مُحَمَّدِ بْن عِيسَى بن الطَّبَّاعِ وَتَابَعَهُ يحيى بن مَعِينٍ كِلَاهُمَا عن حَجَّاجٍ عن ابن جُرَيْجٍ عن حُكَيْمَةَ عن أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ أنها قالت كان لِرَسُولِ الله قَدَحٌ من عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فيه بِاللَّيْلِ وَهَكَذَا رَوَاهُ ابن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أبو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ في مُسْتَدْرَكِهِ الذي خَرَّجَهُ على إلْزَامَاتِ الدَّارَقُطْنِيُّ لِلشَّيْخَيْنِ وَصَحَّحَ بن دِحْيَةَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ وهو وَاضِحُ من اخْتِلَافِ السِّيَاقِ وَوَضَّحَ أَنَّ بَرَكَةَ أُمَّ يُوسُفَ غَيْرُ بَرَكَةَ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ».
وغيرهم مما يتعذر حصرهم

حقيقة صوفية حضرموت