منتدى الحوار الاسلامي

الاثنين، 12 أبريل 2010

هذا هو تصوفنا، وتلك هي دعوتنا





الخطاب

هذا هو تصوفنا، وتلك هي دعوتنا

ربانية الكتاب والسنة، عدلاً بغير إفراط ولا تفريط

صورة الخطاب الصوفي السلفي الشرعي

التاريخي الذي كتبه مولانا الإمام

محمد زكي إبراهيم

رائد العشيرة وشيخ الطريقة المحمدية الشاذلية

إلى أحد خواص مريديه

الطبعة السادسة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمـــة

حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على مصطفاه، وعلى آله ومن والاه، في مبدأ الأمر ومنتهاه.

ورضي الله تعالى عن أشياخنا في الله، ورحم الله من سبقنا من إخواننا إليه، ووفق أحياءنا إلى ما يحبه ويرضاه.

أمَّا بعد:

فهذا خطاب صوفي جامع من شيخنا الإمام الرائد إلى أحد كرام مريديه، وقد كان لهذا الخطاب دويّ بالغ في الأوساط الصوفية وغيرها.

وهذا الخطاب قطعة أدبية رائعة تسري فيها روح حكم ابن عطاء الله السكندري، وعبيق رسالة الإمام الغزالي: (أيها الولد المحب)، فهو خطاب للرُّوح والوجدان.

وفي ثنايا هذا الخطاب قواعد وفوائد، وإشراقات روحية، وإشارات صوفية، يستفيد من ذلك كله الخاص والعام.

فنسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين.

وصَلَّى الله على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
                                    موقع المسلم 


 خطاب صوفي جامع

من الإمام الرائد إلى أحد كرام مريديه

.........

يا ولدي:

سألتني عن التصوف الحق، وها أنذا - بإذن الله - أكتب إليك شيئا مما يحضرني من ( هوامشه )، وأوجهك إلى بعض آفاق مشارفه، لتتعرَّف على بعض حقائقه، فأنقلُ إليك بعض ما قال رجالُه، وما بلَّغَني إليه حالُه، وما كان من فيض الحَقِّ جلَّ جلالُه. وقد يفوتني التنسيق والتزويق، ولكنني أسألُ الله ألاَّ يفوتني التحقيق والتوفيق.

"اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أن أتَكَلَّفَ ما لا أُحْسِنُ، أو أقُولَ ما لا أَعْلَمُ، أو أُمَارِيَ في حَقٍّ أعْتَقِدُهُ، أو أُجَادِلَ عن بَاطِلٍ أنْتَقِدُهُ، أو أَتَّخِذَ العِلْمَ صِنَاعَةً، أو الدِّينَ بِضَاعَةً، أو أَطْلُبَ الدُّنْيَا بنسْيَانِ رَبِّ الدُّنْيَا، أو أَعْمَلَ للآخِرَةِ ريَاءً وزُوراً".

يا ولدي:

قالوا: التصوفُ العملي تجربةٌ تصل بك إلى التذوق والصفاء والمشاهدة والوصول إلى سرِّ الذات، والخلافة على الأرض، وسبيله: العلم والعبادة، فلا يغني عنك فيه سواك، فإنَّه لا يمكن أن يتذوق لك منه غيرك، كما لا يمكن أن ترى بعين رجل آخر.

فهل تستطيع أن تعرف طعم " التفاح مثلاً " دون أن تمضغه بالفعل؟ وهل يكفي أن تنظر إلى العسل، أو أن تعرف مكوناته لتتمتع بحلاوته، دون أن يحتويه الفم أو يعركه اللسان ؟.

وهل يمكن أن يتحقق الشبع، أو ينطفئ العطش بالتصور والخيال دون تناول الطعام والشراب، فعلاً وواقعاً؟ طبعا: لا.

وكذلك لا يغني في هذه التجربة مجرد العلم، ولا تُوصِّل إليها دروبُ الفلسفة، فالعلم والفلسفة أعمال عقلية، وهذه التجربة من الأعمال القلبية الوجدانية، وشَتَّان ما بينهما، غير أنَّ التعبيرات الصوفية إذا عولجت بالإحساس والتعمق، والمعاناة والتذوق، كانت قادرة على تغيير الباطن الذي به يتغير الظاهر، فيولد الإنسان ولادة جديدة، كلها إشراقٌ وحبٌّ وبركة وإنتاج.. هكذا قال الشيوخ!

أمَّا مجرد قراءة كتب التصوف بلا معاناة، فهذه متعة ذهنية، وثقافة عقلية، وقد تشارك فيها النفس الأمارة بالسوء، فتكون طريقاً إلى الضلالة طرداً أو عكسا.

أمَّا المنح الرُّوحية، والإشراقات القلبية، فهي نتيجة الجهود والأعمال، فالصوفية أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، ولم ينل المشاهدة مَنْ ترك الْمُجَاهَدة.

يا ولدي:

إنَّ التصوف خدمة تتكيف بحاجة كل عصر، وكل إنسان، وكل وطن، فهي تجسيد شامل لعملية الاستخلاف على الأرض، ثم إنَّ الهداية أيضاً: جهد ومعاناة، والشيخ دليل فقط، فمَنْ لم يَسْعَ لم يصل، ومَنْ لم يلتمس المعارج لا يتسامى ولا يرتقي، ومَنْ لم يتحرك لم ينتقل، ومن اعتمد على ما عنده وحده اغترَّ، فتَاهَ وضَلَّ.

وفي ذلك أقول:

يقول: هل اتخاذ الشيـــخ محتومٌ على القاصد ؟
فقلتُ: وهل تربى قـــــط مولودٌ بلا والد ؟
وهل يُتمُ اليتيم كفا         هُ فاستغنى عن الرافد ؟
وهل أبصرتَ مكفو         فاً ولا يحتاج للقائـد ؟
وهل علمٌ ، وهل فــــنٌ بغير المرشد الراشد ؟
وكيف يسير في الصحــرا غريبٌ ؟ أعزلٌ وافد ؟
وبابُ الله مفـتوحٌ        ولكن من هـو الرائد ؟
تأمل ما أتى موسى        وقصــته مـع العابد
تأمل بعثة الهــاد       ي ففيها الشـاهد الخالد

يا ولدي:

إنَّ نسبَكَ إلى الله أصَحُّ من نسبِكَ إلى أبيك.

ثُمَّ إنَّهُ مَنْ استأذن على الله أذن له، ومن قرع بابه تعالى أدخله، ونحن إنما نشير إلى الحقيقة، ونُبَيِّنُ السبيل، ونَدَعُ المريدَ الصادق ليصل إلى غاية الطريق بجهده، فليس شيخُكَ من سمعتَ منه، ولكن شيخك من أخذتَ عنه، ومن جاهد: عدل، ومن اجتهد: وصل.

يا ولدي:

الشَّريعةُ جاءت بتكليف الخَلْقِ، والحَقِيقَةُ جاءت بتعريف الحَقِّ.

فالشَّريعَةُ أن تَعْبُدَهُ، والطريقةُ أن تَقْصِدَهُ، والحقيقةُ أن تَشْهَدَهُ.

ثُمَّ إنَّ الشَّريعَةَ قيامٌ بما أمر به وبصَّر، والحقيقةَ شهودٌ لما قضى وقدَّر.

وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: الشَّريعةُ أقوالُهُ، والطَّرِيقَةُ أفعالُهُ، والحقيقَةُ أحوالُهُ.

فشريعَةٌ بلا حقيقة: عاطلة، وحقيقةٌ بلا شريعة: باطلة، ولهذا قالوا: "من تشَرَّع ولم يتحقَّق فقد تعوَّق أو تفسَّق، ومن تحقَّق ولم يتشرع فقد تهرطَقَ أو تزندق".

واعلم - يا ولدي - أنَّ الشريعةَ ليست إلا الحقيقة، والحقيقة ليست إلا الشريعة، فهما شيءٌ واحد، لا يتمُّ أحَدُ جزأيه إلاَّ بالآخر، وقد جمع الحقُّ تعالى بينهُمَا، فمحالٌ أن يفرق إنسان ما جمع الله.

ثُمَّ تأمل - يا ولدي - قولك  (لا إله إلاَّ الله) هذه حقيقة، (مُحَمَّدٌ رسُولُ الله) هذه شريعة. فلو فرَّق بينهما أحدٌ هَلَكَ، فإن من ردَّ الحقيقة: أشْرَك، ومن ردَّ الشريعة: ألْحَد.

ثُمَّ تأمَّلْ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تجد الشريعة، {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}  تجد الحقيقة، وهما شيءٌ واحد يستحيل طرح أحد جزئيه.. عبادةُ العبد: ظاهر الأمر، وإعانة الله: باطِنُهُ، ولا بُدَّ لكل ظاهر من باطن، كالرُّوح في الجَسَد، والماء في العود.

الحقيقة من الشَّريعَةِ، كالثَّمَرَةِ من الشَّجَرة، والأريج من الزَّهْرة، والحرارة من الجمرة، فلا بُدَّ من هذه لتلك، فاستحال قيام حقيقة بغير شريعة.

يا ولدي:

انظر بعين عقلك وقلبك إلى هذا الدُّعَاء، الذي يناجي به أحَدُ العارفين من أشياخنا ربَّه فيقول:

"إلهي: إذا طلبْتُ منك الدُّنْيَا فقد طلبْتُ غَيْرَكَ، وإذا سألتكَ ما ضَمِنْتَ لي فقد اتَّهَمْتُكَ، وإنْ سَكَنَ قلبي إلى غَيْرِكَ فقد أشْرَكْتُ بِكَ!!.

جَلَّتْ أوصَافُكَ عن الحُدُوثِ فكيف أكون مَعَك؟.

وَتَنَزَّهَتْ ذاتُكَ من العلل، فكيف أكونُ قريباً بذاتي منك؟! وتعاليْتَ عن الأغيار، فكيف يكون قوامي بغَيْرِك؟!".

إنَّه كلامٌ كأنَّه صدىً من روح القُدُس، وكأنَّما اقتبسه الشيخ من ألحان الذين يحملون العرش، ومَن حوله، ومن تسابيح الأرواح المهيَّمَة بآفاق الملأ الأعلى، كلامٌ فيه رائحة مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واقتباسٌ من أضواء سدرة المنتهى، وملامح من صدى الحقيقة والشريعة.

إنَّ التصوف - عندنا - هو (علم فقه المعرفة)، فهو تصحيح الإسلام، وتحقيق الإيمان، وتأكيد الإحسان.

ومن هنا كان واجباً، لا يمكن تحصيله بمجرد القراءة، ويبدو ذلك واضحاً في هؤلاء الذين يدرسون التصوف علماً، ولا يمارسونه عملاً!! وهم يحملون أعلى الألقاب العلمية، وكان يسميهم والدي " عربات النقل البشرية " أو " سعاة بريد المعرفة "، إنَّما التَّصوف رفعُ الأستار عن أسرار الكونيات، لإدراك أنوار شموس الحقائق، فلا بد - مع العلم - من المعاناة والممارسة.

والتصوف: التقوى، والتصوف: التزكية، وهما مقام يجمع الخوف والرجاء، وينهض بالعقيدة والخُلُق، وبه تتحقق إنسانية الإنسان، وإنَّه ما من آية في القرآن إلا وهي تربط الدنيا بالآخرة، وتجعلها وسيلة إليها، من باب التقوى وطريق التزكية .

ألم يقل الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}، و{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}. ألم يكن مِنْ سِرِّ الرِّسَالات: التزكية {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}.

نعم: التَّصَوفُ أدب، فالعقيدة أدب، والعبادة أدب، والمعاملة أدب.

وهنا يصل العبد إلى رتبة ( الربَّانية )  بالعلم والدرس والممارسة: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}.

يا ولدي:

الصُّوفيُّ أكثَرُ من (فقيه)، فالفقيه وقف عند الأقوال. والصُّوفيُّ أكثَرُ من (عابد)، إذ العابِدُ وقف عند الأعمال. أمَّا هو فقد جَمَعَ بينهما، فأثمر (الأحوال).

والصُّوفيُّ أكثَرُ من (زاهد)، إذ الزاهد في الدنيا زاهِدٌ في لا شيء. أمَّا الصُّوفي فلا يزهد إلا فيما يحجبه عن الله، وبهذا يجعل الدنيا في يده، لا في قلبه.

وهكذا يصبح التصوف فرض عين، لأنه (طَلَبُ الكَمَالِ)، وما من مخلوق إلا وفيه نقص يجب استكماله، وبالتالي كان كل علم يمكن الاستغناء عنه إلا التصوف، لأن موضوعه: الذاتُ والرُّوح، وعَلاقَةُ الوجود بالموجود، وارتباط الغيب بالشهادة، والملك بالملكوت، وكل علم بعد هذا فهو : نافلة.

جاء شاب إلى مرشد صوفي، فقال له: يا ولدي: "إن كنت تريد الدنيا والجنَّة فعليك بفقيه، وإن كنت تريد رب الدنيا ورب الجنة فهلم إلينا".

نعم، مَنْ وَجَدَ الله فَمَا فَقَدَ شيئًا - وإنْ فَقَد -. ومَنْ فَقَدَ الله، فَمَا وَجَدَ شيئًا - وإنْ وَجَد -.

فشئون الدنيا كلها كشؤن الآخرة كلها، (كل من عند الله).

يا ولدي:

البَشَرُ مَدَرٌ، لا يَخْلُو مِن كَدَرٍ، فمَنْ نَظَرَ إلى الخَلْقِ: هَلَكَ، ومَنْ نَظَرَ إلى الحَقِّ: سَلَكَ ومَلَكَ.

ولكن عليك بخلوص النِّية من قيود المقامات، وأغلال الأحوال، وعبادة الآمال.

ثُمَّ إنَّه ليس العجب ممن هلك كيف هلك، ولكن العجب ممن نجا كيف نجا!.

يا ولدي:

إذا قيل: إنَّ التصوف من (الصفاء)، فقد أصبح اسم التصوف أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، لأن الشرط في الاشتقاق: التجانس ، والموجودات كلها: ضد (الصفاء)، إنَّها كدر (إلا ما كان لله)، ولا يشتق الشيء من ضدِّه.

ثُمَّ إنَّ ( الصُّوفي ) هو صاحب الوصول.

و ( المتصوف ) صاحب الأصول.

والمستصوف ( المتمصوف ) صاحب الفضول.

وإذا رضي المحبوب: كشف المحجوب.

والتصوف: فناء صفة العبد ببقاء صفة المعبود، ومن هنا كان الصوفي هو الذي لا يَمْلِك ولا يُمْلَك، أي لا يَمْلِك نفسه، لأنه ملك لله، وبهذا لا يَمْلِكُه غيره من مال، أو جاه، أو بشر، ثُمَّ إنَّ صحة الملكية تكون للموجود، والصوفيُّ في حُبِّ ربه مفقود.

والمبتدئ في الصوفية يرى نَفْسَه، ولكن يراها ناقصة، فهي - مع هذا - حجاب بينه وبين الله.

أمَّا المنتهي فقد غَضَّ بصَرَه عن نَفْسِهِ، فلا يراها بالكُلِّيَّة، لأنه يرى قَيُّومها الموجود الحق لا سواه، وما لا قيومية له من نفسه فهو عَدَمٌ مُجَسَّد.

يا ولدي:

الصوفيُّ قَائِمٌ بربِّه على قلبه، وقَائِمٌ بقلبِهِ على نَفْسِهِ، وقَائِمٌ بنَفْسِهِ على مَنْ يليه، وهذه القوامة هي التحقق بالتصوف الرفيع: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ}.

والصوفيُّ يُقِيمُ أمْرَ الخَلْقِ في مَقَامِهِ، ويُقِيمُ أمْرَ الحَقِّ في مَقَامِهِ، فيُظْهِرُ ما ينبغي أن يَظْهَرَ ، ويَسْتُرُ ما ينبغي أن يُسْتَر، ويقوم بواجب وقته كأفضل ما يقوم رجل، وبه يستقيم عاتق الميزان برُوح الربَّانية.

إنَّ الله أمرنا بالتصوف، فهو يقول: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}.

والربَّانية عندنا هي ( التصوف )، فهي في الآية علم ودراسة، ومقتضى ذلك: العمل، والعمل الصحيح.

فالتصوف: هو الربَّانية، وهو التَّقوى، وهو التزكية، وثلاثتها شيءٌ واحد، لا بد لبعضه من بعض، فلا ربَّانية بلا تقوى، ولا تقوى بلا تزكية.

وتستطيع أن تُسَمِّي ذلك جميعاً: البر {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} فاقرأ آيات البِرِّ من سورة البقرة وغيرها، وسترى أن جِماع ذلك وملاكه هو (الخُلُق).

فالتَّصوف خُلُق (مَنْ زاد عليْكَ في الخُلُقِ: زَادَ عليْكَ في التَّصوف)، وبالتالي زاد عليك في الإنسانية، فنفع وانتفع، وأدَّى رسالة البشرية بروح سماوية عَلِيَّة.

وهكذا تشرق لك بعض معاني قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فما كان من عظمة في شئون الدنيا والدين، فإنَّما هي أثر للخُلُق العظيم.

يا ولدي:

ليس للشيطان على الصُّوفيِّ الصَّادِقِ سَبِيلٌ، لأنَّه تحقَّقَ بالعُبُوديَّة المحضة، فدخَلَ في قُدُس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}.

وقد عرف الشيطان هذا واعترف به {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، وقال: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، ومِنْ ثَمَّ كانت العبودية أعلى مراتب القرب:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}، و{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ}، {نِعْمَ الْعَبْدُ}، {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}.

واعْلَمْ - يا ولدي - وعَلِّم النَّاس: أنَّ التصوفَ الحَقَّ مُقَيَّدٌ بأحكام الكتاب والسُّنَّة، على أساس العزيمة، وحذار من الصيرورة إلى الرُّخْصَة، إلا في حَدِّها المحدود، فالتصوف - من حيث هو - عِلْمٌ، وعَمَلٌ، وخُلُقٌ، وعِبَادَةٌ، وجِهَادٌ، ودَعْوَةٌ..  هُوَ أصْلٌ مُؤَصَّلٌ مما جاء به الوحي، وحثت عليه الشريعَةُ كما رأيْتَ، فهو كما قلنا (طلبُ الكمَالِ)، وكل امرئ - مهما يكن شأنه - فيه وجه، أو وجوه من النقص، وبهذا يصبح التصوف واجباً عينياً، لا عذر لأحد معه.

( هذا هو تَصَوُّفُنَا )، وهو ( علم فقه المعرفة )، ولا شأن لنا بتصوف الآخرين، و{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}.

وهكذا يكون الصوفيُّ هو ( المسلم النموذجي )، تمثيلا للإنسانية الرفيعة، واندماجاً في موكب الحياة الزاخر بالجدِّ وبالمجد، والعمل الروحي، والعمل الحضاري الخالد.

يعيش الصوفيُّ: بَدَنٌ مع الخَلْقِ، ورُوحٌ مع الحَقِّ، الفَرْقُ في لِسَانِهِ، والجَمْعُ مع جَنَانِهِ، وهو يعلم أنَّ العمل مَعَ الغفلة خَيْرٌ من الغفلة عن العمل !!.

يا ولدي:

التصوف دعوة ( الحُبِّ ) الذي فقده النَّاس، ففقدوا الحقيقة الإنسانية في الأجساد البشرية.

والحبُّ هو: الخصيصة المميِّزة للسالك الصوفي، فهو يحبُّ الله، وبالتالي يحب خلق الله، فهو يحبهم بحب ربهم، وهو بحكم حبه لهم يسعى في خيرهم وبرِّهم.

وتصوَّر - يا ولدي - مجتمعاً يحكمه:  الحبُّ، والسَّلام، والتَّسامح، والتيسير، واللين، والتعبد، والتعاطف، والشرف، والإيثار، وتحرِّى معالي الأمور  ؛ كيف يكون أفراده ؟ وكيف تمضي حضارته ؟!.

إنَّ العنف، والقسوة، والقهر، والتعالي، والخبث، والتغالي، والبذاءة، والتعالم، والاندفاع، وأذى الناس أقذار لا يعرفها التصوف.

واسمع الآن الشاعر الصوفي يحدو على شاطىء الحب قائلاً:

رأى المجنُونُ في الصَّحَرَاءِ كَلْباً

فمَـدَّ له مِنَ الإحسـانِ ذَيْلا!

فلامــوهُ على مـا كان مِنْهُ

وقالوا:كم أنَلْتَ الكَلْبَ نَيْلا؟

فقال: دَعُـوا المَلامَةَ إنَّ عَيْنِي

رأتْـهُ لَيْــلَةً في حَيِّ (لَيْلَى)

يا ولدي:

يقول السادة رضي الله عنهم:

"سِرُّ الحَقِيقَةِ ظَاهِرٌ، وعِلْمُ المَعْرِفَةِ منصُوبٌ، وبَابُ الوصُولِ مَفْتُوحٌ؛ ومَا حَجَبَكُمْ إلا رُؤْيَة أنفُسِكُمْ، فعَشَّشَ فيها الكِبْرُ وبَاضَ وأَفْرَخَ!!" والكِبْرُ مِيرَاثُ إبْلِيس.

وهم يقولون رضي الله عنهم:

"الطَّرِيقُ واضِحٌ، والدَّلِيلُ لائِحٌ، والدَّاعِي أَسْمَعَ، فَأَقْنَعَ وَأَمْتَعَ؛ ومَا التَّحَيُّرُ بعد ذلك إلا من غَفْلَةِ النَّفْسِ، وغَلَبَةِ الهَوَى، واعْتِقَادِ الفَضْلِ على السِّوَى".

يا ولدي:

لقد كان التصوف ثورة على الترف والاستعجام والانحلال واللامبالاة؛ فإذا دخلته المغالاة، فتلك طبيعة الأشياء، وهذه قصة الصحابة الذين أرادوا أن يصومُوا بلا فطر، وأن يعيشوا على الطعام الرمزي، وأن يتركوا النساء والأولاد، وأن يصلوا الليل والنهار: تَعَبُّداً وانقطاعاً عن الحياة، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأرشدهم إلى الوسطية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.

كان ذلك والوحيُ ينزل، والرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ، فإذا داخل التصوف الغلاة والمتنطعون، واستبدلوا حكم إحياء النفس بقتل النفس، أو اختاروا الخبيث على الطيب؛ فليس هذا عيباً في التصوف نفسه؛ فالتصوف شيء غير المتصوف، ولا يمكن أن يحمل الإسلامُ وزر المسلم الذي ينحرف، وهل يترك المسلم التقي إسلامه لأنَّ في المسلمين قوماً ضَلُّوا السبيل؟!.

التصوف دعوةٌ إلى الحريَّة المطلقة، والسِّيَادة التَّامَّة على النفس والشهوة، وعلى الشيطان، وعلى العبودية لغير الله، وعلى كل صَغَار خُلُقي أو فكري، فهو أصْلُ التَّحَرُر المطلق من أغلال المادة والهوى، لأنَّ الصُّوفيَّ قد تحقق بقوله (لا إله إلا الله).

فالتصوف - يا ولدي - كما رأيت ، فوق أنَّه دعوة الحب والنور، والفيض والبركة والمدد، هو دعوة الحرية المطلقة، ورفض كُلِّ عبودية - حسيَّة أو معنويَّة - لغير الله، فهو - يا ولدي - ردُّ اعتبار الإنسانية للإنسان، بعد ما فقد الإنسان اعتباره، واستعبدته المادة، ومكاره الأخلاق، والكيوف المتحكِّمَة، والشَّهوات المظلمة، والآمال المعتمة.

التصوف - يا ولدي - هو ترميم بناء الباطن بعد أن تحطم الإنسان من داخله.

التصوفُ الحَقُّ: دعْوَةٌ إلى القُوَّة، والعلم، والتوحيد، والعزة، والعدالة، والمساواة، والإحياء، والتكافل، والتكامل، والتجديد، والابتكار، والسِّيَادة، والقيادة، لأنَّ الله خَلَقَ المسلم الحقَّ ليُمَارس كُلَّ هذا وما يترتب عليه، وما يتفرع عنه، قولاً وعملاً وحالاً {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}، ولكُلِّ كلمة من كل ذلك شَرْحٌ عريقٌ عميقٌ، أصْلُهُ الكِتَابُ والسُّنَّةُ، وفرعُهُ الفَيْضُ والمدد.

وهكذا كان مَنْ فاته التصوف الحق، فقد فاته الخير الذي قد لا يُعَوَّضُ على الإطلاق، وأيُّ خَيْرٍ يكونُ إذا انقطعت عَلاقَة المرء بالسماء، وما وراء هذا من الأسرار والأنوار ؟!.

إنَّ عند الصوفية ما عند النَّاس، وليس عند النَّاس ما عند الصوفية.

يا ولدي:

قد يعترض عليك بعضهم بأقوال لم يفهمها مما جاء عن بعض السلف، والسلف بشر، فإنْ أخطئوا فوزرهم على أنفسهم، ولا نُسْئلُ عنهم، ولا نُؤاخَذُ بما اجترحوا، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

ولكننا نعتقد أنَّهم أرادوا الخير، وكانت لهم ظروف وصروف وملابسات، أجبرتهم على الرمز والإشارة، أو إلى الإلغاز والتحجية، وما دامت أقوالهم تقبل التأويل الإيماني - ولو من وجه واحد من مائة وجه آخر - فإننا نحمله على هذا الوجه الواحد المؤمن، بحسن الظن، وبحكم العلم، وندع ما وراء ذلك لله وحده، فليس أحد يقول أو يكتب شيئاً وهو يعتقد أنه يدخل به النار!! وليس من حَقِّ أحد أن يحكم على أحد بالخروج من الملَّة إلا بدليل لا شبهة فيه ( على مثل ضوء الشمس ).

ونحن نعتقد أنَّ لكلام القوم مفاتيحٌ لمستغلقات مترامية الأبعاد، فهي لخاصَّة الخاصَّة، فما لم تفهمهم على مرادهم اليقيني فلتدع لله أمرهم، واستغفر الله لنا ولهم.

ونقول: لعلَّهم تأولوا، أو اجتهدوا فأخطئوا، هذا موقفنا: مبرءاً من الوغى والدعوى، على طريق الحب والخير والأدب.

يا ولدي:

غَاية كُلِّ مُتَحَرِّكٍ إلى سُكُون، ونِهَايَةُ كُلِّ مُتَكَوِّنٍ ألاَّ يَكُون، فإذا كانَ ذلِكَ كَذَلِكَ، فَلِمَ التَّهَالُكُ عَلَى الهَالِكِ؟!.

يقول أشياخنا رضي الله عنهم:

أصُولُ صُحْبَتِنَا سَبْعَةٌ:

1 - عُلُوُّ الهِمَّة.

2 - وحِفْظُ الحُرْمَة.

3 - وحُسْنُ الخِدْمَة.

4 - ونُفُوذُ العِزْمَة.

5 - وتَعْظِيمُ النِّعْمَة.

6 - والنُّصْحُ للأُمَّة.

7 - ودَفْعُ البَاطِلِ بالحِكْمَة.

وهم يقولون: "إذا أَلِفَ القَلْبُ الإعِرَاضَ عن الله، صَحِبَتْهُ الوقِيعَةُ في أَوْلِيَائِهِ".

وقَلَّمَا رأيْتُ في خصوم التصوف رقَّةَ الإسلام، أو سعة الأفق، أو سماحة النُّبُوَّة، أو رفق الولاية، أو حسن الظن، أو أدب المعاملة، فإن ذلك كله إنَّما ينبع من معين التواضع، الذي هو خميرة مكارم الأخلاق.

وهؤلاء قد حُرمُوا هذه النعمة، فليس منهم إلا جاف الطبع، معتم القلب، غليظ الروح، ثقيل الظِّل، مظلم، معتم، كأنما هو سجَّانٌ فظٌّ، أو صاحب "مشنقة"  كَنُود؛ فهو متأزم، معقَّد، حامل غلٍّ على الذين آمنوا، يكاد الكبر يتفجَّرُ من جَنْبَيْه، تعالياً على النَّاسِ، وتألهاً عليهم، فقد زعَمُوا لأنفسهم العصمة وضمان الجنة، وأقاموا من أشخاصهم أوصياء على دين الله، كأنَّما الدِّين ما عندهم وحدهم، إلا من رحم الله، وقليلٌ ما هم.

ويعلم الله أنَّنا نأسى لهم، ونعطف عليهم، مما ابتلاهم الله به، وندعو الله بظهر الغيب لهم، ولا نزال نعتقد أنَّ فيهم خَيْراً، نرجو أن يغلب عليهم، وما ذلك على الله بعزيز.

إنَّ النَّاس لا يطلبون الله والجنَّة بما صَحَّ عند غيرهم، وإنَّمَا يطلبون ذلك بما صَحَّ عندهم، فإن أصابوا فأجران، وإن أخطئوا فأجر، وعند الله مزيد، ولكل امرىء ما نوى.

يا ولدي:

هذه لمحة - على هامش التصوف -  وأرجو أن يكون لي عودةٌ إلى مثل هذا الحديث معك، إن  كان في العمر مدد، فهو حديث غير ممنون: ذو شئون وشجون !!.

وإنِّي أقول ما قال السادة: "لو أَنَّ الخاطئين خَرِسُوا ما تَحَدَّثْنَا مِن البَكَمْ"، ويعلم الله لو كان للذنوب ريحٌ ما دنا منَّا أحد.

أقولُ قولي هذا، وأسْتَغْفِرُ الله لي ولكم وللمسلمين.
وهو الموفق المستعان.
وصَلَّى الله على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
وكتبه المفتقر إليه تعالى وحده
محمد زكي الدين بن إبراهيم الخليل الشاذلي
رائد العشيرة وشيخ الطريقة الشاذلية المحمدية
رحمه الله تعالى رحمة واسعة

صحيفة القواعد في الطريقة المحمدية الشاذلية


صحيفة القواعد
في الطريقة المحمدية الشاذلية
لفضيلة الأستاذ الإمام الرائد
محمد زكي إبراهيم
رحمه الله تعالى رحمة واسعة
بسم الله وبحمده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
القاعدة الأولى:
نحن طريقة صوفية سلفية شرعية موصولة السند بمولانا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، من عدة مشارع ظاهرية وباطنية، ولهذا انتسبنا إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وسميت الطريقة بـ (المحمدية).
فنحن ندور في فلك الكتاب والسنة، على المثاليات الروحية والأخلاقية والإنسانية طوق الجهد والإمكان، ثم نربط بينهما وبين الحياة العامة ومتطلباتها المختلفة، على الأسلوب الرباني المحمدي الرفيع، لنؤدي رسالة الخلافة على الأرض مادياً ومعنوياً، على خير ما نعتقد أنه يرضي الله والناس، في براءة مطلقة من الفتن والمشاغبات، وبعد تام عن الريب، وتنزه عن الشكوك والظنون والمشكلات، واحتياط دون المناكر والبدع والمحرمات.
1- شعارنا: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.
2- ودستورنا: الكتاب والسنة، في يسر ورفق وسماحة وربانية وحب لله وللناس.
3- وسبيلنا: حسن الظن، وحسن الخلق، وحسن العبادة، وحسن المعاملة.
4- علامتنا: الدعوة إلى الحب والسلام ومكارم الأخلاق والعلاقة بالله في كل حركة وسكنة.
5- وغايتنا: الله، والله وحده.
القاعدة الثانية:
والتصوف عبادة، فما رسمه الله فيه فهو الرسمي، وما لم يرسمه الله فمرفوض نهائياً، ولا قيمة له، وإن تظاهر عليه كل ما يسمى العرف الرسمي والمصطلح التمصوفي والتقاليد والمشيخات، فنحن لا نؤمن بالطبول، ولا الزمور، ولا العكاكيز، ولا الرايات، ولا الأوشحة، ولا الطراطير، ولا مسابح الأعناق، ولا تيجان الريش، ولا سيوف الخشب، ولا الرقص، ولا المواكب الألعبانية، ولا المكاثرة بالأتباع، ولا المظاهر والدعاوى الكاذبة، وإن آمن بها الثقلان.
إن أساس رسالتنا: تخريج القادة، لا حشد الجماهير.
والتصوف إرادة لا إدارة.
والوظائف الصوفية تشريف وتكليف معاً، لمن هم أهله، فقهاً وتقىً وجهاداً في الله.
فلا قيمة لإجازة أو وظيفة صوفية في يد من ليس هو أهلاً لها، وإن اشتراها بمال قارون، وإن اعتمدته كل الإدارات، فحامل الإجازة يجب أن يكون صورة مصغرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فهو ومن عاونه من طلائع المسيخ الدجال، و {لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}.
والمريد المتقلب بين الطرق المتردد على الأشياخ بلا سبب شرعي مقرر ناقض للعهد مسلوب البركة، فلا خير فيه ولا في الاهتمام بشئونه، فهو مهما عظم: خسر الدنيا والآخرة، والاهتمام به تفاهة وضياع.
وتجديد العهد للمريد الذي توفي شيخه، أو للمريد الذي كان مقتدياً بمضلل أو جاهل أو مبتدع أو نحوه أمر واجب، إنقاذاً للدين وللتصوف وللمريد نفسه.
وتلقي عهود البركة والسند الروحي للمريد الواصل الراشد بإذن شيخه جائز لمن يستطيع الوفاء بحق ما تلقاه جميعاً، كما كان شأن كبار أئمتنا الراشدين عليهم الرضوان.
القاعدة الثالثة:
المسائل الخلافية: كالتوسل في الدعاء، والقراءة للميت، والإعلان بسورة الكهف يوم الجمعة، وأذاني صلاة الجمعة وسنتها القبلية، والصلاة والسلام بعد الأذان، والقيام للقادم، والسلام للتوديع، والمصافحة بعد الفرائض والعيدين، وختام الصلاة بالجهر، وتشييد المساجد، وتجويف القبلة، وزيارة مشاهد الأولياء، والذكر بجماعة، والتعبد بالأحزاب والأوراد والصلوات وأسماء الله تعالى، وبعض تقاليد الصوفية، وتقسيم البدعة، ونحو ذلك وهو كثير.
كل هذه مسائل فرعية اجتهادية، قد اختلف ولا يزال يختلف فيها الرأي والنظر، ولم يمكن ولن يمكن الاجتماع فيها أبداً على رأي واحد أبداً، وهي من مسائل الحلال والحرام، وليست من مسائل العقيدة التي يترتب عليها الكفر والإيمان، وكل رجل فيها ملزم بما صح عنده من دليل يلقى الله عليه بلا مشاغبة.
وهي عندنا ربما ترددت بين الرخصة والعزيمة، فنتعامل فيها على هذا الأساس، ولا تكون سبباً في الفرقة بين المسلمين أو الحرب التي تمزق الأسر وتمزع البلاد، وإنما شأنها شأن الخلاف الفقهي المعروف بين المذاهب الأربعة، فكل إنسان يلتزم بما اختاره لنفسه دون تأثيم أو تجريم أو تسفيه للآخرين، ونحن نسجل حجتنا فيها، ولكن لا نجادل ولا نماري أبداً، لأنه لا فائدة من وراء الجدال على الإطلاق، وحسبنا أن ندفع بالتي هي أحسن.
القاعدة الرابعة:
ونحن لا نرمي مسلماً بالكفر أو الشرك أو الفسق أو الزندقة أو الردة لمخالفتنا في الرأي، أو لأنه ارتكب معصية، فإن رَمْي الناس بالكفر أو الشرك حمق ومجازفة من أخطر المجازفات الدينية والعلمية، وهي بدعة وهابية مدمرة، ولا يملك أحد أبداً أن يخرج أحداً من أهل القبلة من دينه بخلاف مذهبي أو حكم فرعي له فيه رأي واجتهاد، وشر الشر تكلف نقل حكم الفروع إلى حكم الأصول، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، الأمر الذي فتت الأمة وأساء إلى دين الله، والمتمسك به فتان يخشى عليه سوء الخاتمة، فهو منافق سياسي يلبس لباس الدين، أو نفعي وصولي يطلب الدنيا بعمل الآخرة.
القاعدة الخامسة:
ونحن نؤمن بالغيب وبالكرامة للأولياء أحياء وموتى، ولكننا لا نؤمن بالشعوذة، ولا بالكهانة، ولا الودع، ولا البخت والورق والفنجان ونحوه، وما يصدق أو يصح منها فهو إما من قبيل المصادفة أو من قبيل التجربة أو استخدام الشيطان.
ولكننا نؤمن بالرؤيا الصادقة، والمكاشفة الصحيحة، والإلهام الإلهي، والاستخارة الواردة، والرقى النبوية الثابتة، والأدعية والآيات والسور القرآنية وما فيها من بركات وأسرار بغير حدود للأحياء والموتى والأصحاء والمرضى، على ما هو مسجل في كتب التفسير والحديث الشريف.
القاعدة السادسة:
نحن نحب جميع الطرق الشرعية مهما اختلفت المشارب والمناهج والأسماء، ولكن لا نفضل طريقة علي طريقتنا قط.
ونحن نحب جميع مشايخ الطرق الشرعية الأحياء والموتى، ونتبرك بهم ما داموا يخدمون في حقل الدعوة إلى الله بلا دعاوى ولا بدع ولا مظهريات، ولكن لا نقدمهم على أشياخنا قط : شأن الرجل بين الأب والعم.
إن كبار أئمتنا الصوفية الذين بلغوا درجة الكمال قد تلقوا الطريق للبركة عن عشرات من معاصريهم الأولياء، مما يدل على أن العصبية الحزبية المقيتة لم تكن لهم على بال، بل كان كل واحد يعتقد كل الخير في أخيه، فيتبادلون التلقي والتلقين، في ثقة وحب، وعقيدة وتعاون ويقين، فهم أسرة واحدة، وإن تباعدت البلاد والأجساد، وجميع الطرق الشرعية تبدأ من التوبة وتنتهي بالمعرفة.
وإنما الاختلاف في المناهج والسلوك، حتى يجد كل مقبل على الله ما يناسب فطرته.
القاعدة السابعة:
ونحن نحب أولياء الله الموتى، ونتبرك بزيارتهم مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم، وكما لا نفرق بين أحد من رسله، لا نفرق بين أحد من أوليائه، ونترك أمر تفضيلهم الغيبي إلى الله الذي يعلم الحقيقة وحده، فلا نتهجم على سر غيبه المكنون، ولا نبالغ في إطراء الشيوخ إطراء يفضلهم جهلاً على رسل الله، ونستغفر الله.
ونحن نتوسل بالأولياء إلى الله، على أساس علمنا وتجاربنا، معتقدين أن الله سبحانه وحده القادر الفعال، والاستشفاع إليه تعالى بالأولياء إنما هو مجرد سبب، وزيادة في العبودية وتأكيد للتوحيد الحق، واعتراف بالتقصير المطلق، وهو تذلل عملي يفيد معنى خصوصيته تعالى بالطلب وزيادة، وما خطواتنا إلى المساجد للصلاة وأنفاسنا فيها، وابتهالاتنا إلى الله بها، إلا أنواع من التوسل بالعمل الصالح، بجوار التوسل ببركة الروح الصالح.
والفاعل في الحياة والموت هو الله، لا الأحياء ولا الأموات، فمن شاء توسل فأحسن، ومن شاء ترك، والله رب قلوب.
القاعدة الثامنة :
كل من بايع ( ولو قلبياً ) على طريقتنا، وعمل بأعمالنا، وقال بأقوالنا، واعتقد عقائدنا، واعتاد عوائدنا، وشهد مشاهدنا، ودعا بدعوتنا، فهو منا، له ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات، سواء في ذلك من كان في المشرق أو في المغرب أو الشمال أو الجنوب، وسواء في ذلك الأمير والحقير.
فالأخ الجاهل في ذمة العالم، والأخ الضعيف في ذمة القوي، والأخ الفقير في ذمة الغني والأخ العاجز في ذمة القادر، كل بحسبه وحدود طاقته، ما في ذلك عذر لمعتذر، قد ذابت بيننا الفوارق، فلا اعتبار في أخوتنا إلا للتقوى، والتقوى لا غير، بكل ما تجمعه من أرفع المعاني، والعهد عهد القلب، لا عهد اللسان.
وقد عاهد المنافقون رسول الله باللسان واليد، لا بالقلب والحقيقة، فكانوا من أهل النار.
القاعدة التاسعة:
كل حركتنا وسكناتنا وأنفاسنا وخطواتنا، وأقوالنا وأعمالنا وأحوالنا، وكل شئون معادنا ومعاشنا، حتى المرح والمتع، مراد بها عندنا وجه الله وحده، فهي بحسن توجيه نياتنا، وحضورنا مع الله، صلوات وعبادات وأوراد وأذكار، ولهذا نحن نقول : أخونا فلان، أو سيدي فلان: في ورد العمل، أو ورد الراحة، أو ورد النوم، أو ورد العبادة، أو ورد الفسحة، أو ورد المطالعة، أو ورد الزيارة، أو ورد الكتابة، أو غير ذلك، تيمناً وتذكيراً وتوجيهاً إلى معالي الأمور، فالأدب العالي هو وسيلتنا وعلاقتنا الخاصة إن شاء الله.
القاعدة العاشرة:
أنت واحد من هذه الأسرة المختارة المصطفاة، ولولا أن الله أحبك ما كنت منا، وعلى هذه الأسرة التزامات مادية وأدبية تتجدد لا تنتهي، فشارك هذه الأسرة في التزاماتها بما يفيض عن حاجتك من المال، واجعل لها نصيباً مفروضاً من زكاتك وصدقاتك، ومن الجهد الشخصي، ومن الجاه والشفاعة عند الناس، وقدم اشتراكك الشهري، واشتراك مجلة (المسلم)(1) السنوي، دون تذكير ولا تنبيه، وقدم ما تستطيعه - وإن قل - من المال أو الأشياء العينية الأخرى، لينتفع به فقراء الإخوان، خصوصاً في مناسبة إحياء ذكريات أشياخنا، ومواسمنا الإسلامية المباركة، وإلا فمن أين نستطيع أن نوفي التزاماتنا ونقوم بواجباتنا، ونخدم دعوتنا إلى الله؟!
والله تعالى يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
انتهت صحيفة القواعد
---------------------
(1) ملاحظة: المقصود بالأسرة هنا العشيرة والطريقة، والمقصود بمجلة المسلم مجلة العشيرة المحمدية الشهرية التي أنشأها الإمام الرائد في بداية الخمسينات، وما زالت تصدر حتى اليوم، وهي شيء غير موقع المسلم موسوعة إسلامية صوفية سلفية شرعية.


 المصدر

كتاب حسن المقصد في عمل المولد

حسن المقصد في عمل المولد
للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة موقع المسلم

حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على مصطفاه، وعلى آله ومن والاه، في مبدأ الأمر ومنتهاه .
ورضي الله تعالى عن أشياخنا في الله، ورحم من سبقنا من إخواننا بالإيمان إليه، ووفق أحياءنا إلى ما يحبه ويرضاه .
أمَّا بعد :
فهذا كتاب الإمام السيوطي (حسن المقصد في عمل المولد)، بين فيه الإمام مشروعية المولد، ورد على من يقول ببدعية الاحتفال بالمولد. ونحن ننشره في مواجهة ذلك الخلط العجيب في بعض المفاهيم، مع التعصب الأعمى، ورمي المسلمين بالبدعة والجهل.
وكان الإمام السيوطي رحمه الله قد كتب هذا الكتاب رداً على كتاب الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية الذي سماه (المورد في الكلام على عمل المولد)، وادعى فيه أنَّ عمل المولد بدعة مذمومة، وجاء بعضهم فاستخلص كتاب الفاكهاني من كتاب السيوطي هذا، وصار ينشره هاهنا وهاهنا على شبكة الانترنت، من غير إشارة أو بيان إلى ردود السيوطي على ما ورد في رسالة الفاكهاني.
هذا، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



حسن المقصد في عمل المولد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعــــد: فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟.
الجـــــواب:
عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وأول من أحدث فعل ذلك صاحب اربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون.
قال ابن كثير في تاريخه:
كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه.
قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدا في المولد النبوي سماه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة.
وقال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمن:
حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى.
قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة، فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار، وكان يستفك من الفرنج في كل سنة أسارى بمائتي ألف دينار، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، هذا كله سوى صدقات السر، وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين أن قميصه كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم، قالت: فعاتبته في ذلك فقال: لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير والمسكين.
وقال ابن خلكان في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية:
كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب (التنوير في مولد البشير النذير)، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار.
قال: وقد سمعناه على السلطان في ستة مجالس في سنة خمس وعشرين وستمائة. انتهى.
وقد ادعى الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة، وألف في ذلك كتابا سماه (المورد في الكلام على عمل المولد)، وأنا أسوقه هنا برمته وأتكلم عليه حرفا حرفا؛ قال رحمه الله:
الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء أثر السلف الصالحين حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين، أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعـد: فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه (المولد) هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين؟، وقصدوا الجواب عن ذلك مبيناً، والإيضاح عنه معينا، فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما، وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين:
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهن أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى(إن ربك لبالمرصاد)، وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدا).
ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازناه:
قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة
وصار أهل العلم في وهدة * وصار أهل الجهل في رتبة
جازوا عن الحق فما للذي * ساروا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقى * والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت * نوبتكم في زمن الغربة
ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.
هذا جميع ما أورده الفاكهاني في كتابه المذكور.
وأقـــول:
أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً، وسيأتي ذكرها بعد هذا.
وقوله: بل هو بدعة أحدثها البطالون... إلى قوله: ولا العلماء المتدينون يقال عليه: قد تقدم أنه أحدثه ملك عادل عالم، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية، وصنف له من أجله كتاباً، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه.
وقوله: ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع يقال عليه: إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما.
وقوله: ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين: كلام غير مسلم، لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا: مباحة ومندوبة وواجبة.
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات:
البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله علبه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد:
البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.
قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة.
وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال:
وللبدع المندوبة أمثلة: منها: إحداث الربط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: التراويح، والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل، ومنها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال:
المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة.
وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى.
هذا آخر كلام الشافعي.
فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين: ولا جائز أن يكون مباحا... إلى قوله: وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إلى آخره؛ لأن هذا القسم مما أحدث، وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.
وقوله: والثاني ...إلى آخره، هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المحرمة التي ضمت إليه، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة، ولا يلزم من ذلك ذم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح، وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح، فهل يتصور ذم الاجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت بها، كلا، بل نقول: أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع، وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة وما ضم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع.
وقوله: مع أن الشهر الذي ولد فيه ... إلى آخره جوابه أن يقال:
أولاً: إن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، والصبر والسلوان والكتم عند المصائب، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، وهي إظهار شكر وفرح بالمولود، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته.
وقد قال ابن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين: لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف ممن هو دونهم.
وقد تكلم الإمام أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه المدخل على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جدا، وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات.
وأنا أسوق كلامه فصلا فصلا قال:
(فصل في المولد)
ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى ذلك على بدع ومحرمات جملة، فمن ذلك استعمال المغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومحرمات، ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه، فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم، فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبين هذا الشهر الكريم الذي من الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، وكان يجب أن يزاد فيه من العبادة والخير شكرا للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات، وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم لأمته ورفقه بهم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: (ذاك يوم ولدت فيه)، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله عليه السلام (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي)، وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله به من العبادات التي تفعل فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني، فانظر إلى ما خص الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه صلى الله عليه وسلم ولد فيه، فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به اتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات، ألا ترى إلى قول ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان) فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا.
فإن قال قائل: قد التزم عليه الصلاة والسلام في الأوقات الفاضلة ما التزمه مما قد علم، ولم يلتزم في هذا الشهر ما التزمه في غيره، فالجواب أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يريد التخفيف عن أمته، سيما فيما كان يخصه، ألا ترى إلى أنه عليه السلام حرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة، ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفا على أمته ورحمة بهم، فكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلا في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم، فعلى هذا تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويسكن له تعظيما لهذا الشهر الشريف، وإن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم، فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي.
وقد ارتكب بعضهم في هذا الزمن ضد هذا المعنى، وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما، ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز، وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المبهجة لطرب النفوس، وهذا فيه وجوه من المفاسد، ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر، وهو أن يكون المغني شابا لطيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة، فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته، فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء، فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من المفاسد ما لا يحصى، وقد يؤول ذلك في الغالب إلى فساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل وتشتت أمرهم بعد جمعهم.
وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع، فإن خلا منه وعمل طعاما فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، لأن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن تبع فيسعنا ما وسعهم. انتهى.
وحاصل ما ذكره: أنه لم يذم المولد، بل ذم ما يحتوي عليه من المحرمات والمنكرات، وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه، فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة.
وأما قوله آخراً: إنه بدعة، فإما أن يكون مناقضاً لما تقدم أو يحمل على أنه بدعة حسنة كما تقدم تقريره في صدر الكتاب، أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد، كما أشار إليه بقوله: فهو بدعة بنفس نيته فقط، وبقوله: ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد.
فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط، ولم يكره عمل الطعام ودعاء الإخوان إليه، وهذا إذا حقق النظر لا يجتمع مع أول كلامه، لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذا أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى نية المولد فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولاً.
وأما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلاً فإنه لا يكاد يتصور، ولو تصور لم يكن عبادة، ولا ثواب فيه إذ لا عمل إلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك فتأمل.
ثم قال ابن الحاج: ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم، ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم، ويريد أن يستردها ويستحي أن يطلبها بذاته، فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس، وهذا فيه وجوه من المفاسد منها: أنه يتصف بصفة النفاق، وهو أن يظهر خلاف ما يبطن، إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة، وباطنه أنه يجمع به فضة، ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له، وهذا أيضا فيه من المفاسد ما لا يخفى. انتهى.
وهذا أيضا من نمط ما تقدم ذكره، وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النية الصالحة، لا من أصل عمل المولد.
وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه:
أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا.
قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم؟ فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى أي يوم من السنة، وفيه ما فيه.
فهذا ما يتعلق بأصل عمله.
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة.
وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروهاً فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. انتهى.
قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات.
ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه:
قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه -، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.
فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم.
وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي):
قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أنشد:
إذا كان هـذا كافرا جـاء ذمـه   *    وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدا
أتى أنـه في يـوم الاثنين دائـما   *    يخفف عنه للسـرور بأحــمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره   *    بأحمد مسرورا ومات موحـــدا
وقال الكمال الأدفوي في (الطالع السعيد):
حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود ابن العماد، أن أبا الطيب محمد ابن إبراهيم السبتي المالكي نزيل قوص أحد العلماء العاملين كان يجوز بالمكتب في اليوم الذي فيه ولد النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا فقيه، هذا يوم سرور، اصرف الصبيان، فيصرفنا.
وهذا منه دليل على تقريره وعدم إنكاره، وهذا الرجل كان فقيهاً مالكياً متفنناً في العلوم متورعاً، أخذ عنه أبو حيان وغيره، ومات سنة خمس وتسعين وستمائة.
(فائدة) قال ابن الحاج:
فإن قيل: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خص مولده الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين، ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها.
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: ما ورد في الحديث من أن الله خلق الشجر يوم الاثنين، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد به بنو آدم ويحيون وتطيب بها نفوسهم.
الثاني: أن في لفظه ربيع إشارة وتفاؤلاً حسناً بالنسبة إلى اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب.
الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها.
الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو ولد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها.
***
تم بحمد الله تعالى كتاب (حسن المقصد في عمل المولد)

III

المصدر

حقيقة صوفية حضرموت